Skip to content

اللهم صل على محمد وال محمد


واللعن الدائم على اعدائهم والغاصبين حقهم

من الاولين والاخرين الى قيام يوم الدين


نتوجه الى مقام سيدينا ومولانا صاحب العصر والزمان لنقدم اليه العزاء

بمصاب جده سيد الكونين وامام الثقلين وابا الحسن والحسين الامام علي عليه السلام


عظم الله اجورنا واجوركم بالمصاب العظيم والاليم على كل موالي لاهل البيت عليهم السلام


اللهم العن قتلة امير المؤمنين

 

 

وهذه قصة استشهاد الامام علي بن ابي طالب عليه السلام

بشر الإمام علي عليه السلام من قبل النبي صلى الله عيه وآله وسلم بأنه يفوز بالشهادة في سبيل الله.. وكان ينتظر ذلك اليوم حتى جاء يوم أحد وما حل بالمسلمين من مصائب فتأسف الإمام أمير المؤمنين على حرمانه الشهادة في ذلك اليوم فقال له النبي: إنها من ورائك…فكان ينتظرها على شغب..
ويوم الخندق لما ضربه عمرو بن عبدود على رأسه كانت الدماء تسيل على وجهه الشريف فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله يشد جرحه ويقول له: أين أنا يوم ضربك أشقى الآخرين على رأسك ويخضب لحيتك من دم رأسك؟؟
وخطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في آخر جمعة من شهر شعبان وذكر ما يتعلق بشهر رمضان، فقام علي عليه السلام وقال: ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عز وجل، ثم بكى النبي فقال عليه السلام: ما يبكيك؟ فقال: يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر! كأني بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود، فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك، قال الإمام: وذلك في سلامة من ديني؟ فقال: في سلامة من دينك… الخ
وكان الإمام (عليه السلام) كثيراً ما يخبر الناس بشهادته واختضاب لحيته الكريمة بدم رأسه، وحينما أتاه عبد الرحمن بن ملجم ليبايعه نظر علي في وجه طويلاً فقال: أريد حياته ويريد قتلي، وفي تلك السنة الأخيرة من حياته والشهر الأخير من حياته كان يخبر الناس بشهادته فيقول: ألا وإنكم حاجوا العام صفاً واحداً، وآية (علامة) ذلك أني لست فيكم, فعلم الناس أنه ينعى نفسه، ولم يكتفِ عليه السلام بذلك بل كان يدعو على نفسه ويسأل من الله تعالى تعجيل الوفاة، وتارة كان يكشف عن رأسه وينشر المصحف على رأسه ويرفع يديه للدعاء قائلاً: اللهم إني قد سئمتهم وسئموني ومللتهم وملوني، أما أن تخضب هذه من هذا ـ ويشير إلى هامته ولحيته.
وقبل الواقعة أخبر عليه السلام أبنته أم كلثوم بأنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يمسح الغبار عن وجهه ويقول: يا علي لا عليك، قضيت ما عليك
وكان الإمام قد بلغ من العمر ثلاثاً وستين سنة، وفي شهر رمضان من تلك السنة كان الإمام يفطر ليلة عند ولده الحسن وليلة عند ولده الحسين وليلة عند ابنته زينب زوجة عبد الله بن جعفر المكناة بأم كلثوم.
وفي الليلة التاسعة عشر كان الإمام عليه السلام في دار ابنته أم كلثوم فقدمت له فطوره في طبق فيه: قرصان من خبز الشعير، وقصعة فيها لبن حامض، فأمر الإمام ابنته أن ترفع اللبن، وأفطر بالخبز والملح، ولم يشرب من اللبن شيئاً لأن في الملح كفاية، وأكل قرصاً واحداً، ثم حمد الله وأثنى عليه، و قام إلى الصلاة، ولم يزل راكعاً وساجداً ومبتهلاً ومتضرعاً إلى الله تعالى، وكان يكثر الدخول والخروج وينظر إلى السماء ويقول: هي، هي والله الليلة التي وعدنيها حبيبي رسول الله
ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوباً وجعل يمسح وجهه بثوبه، ونهض قائماً على قدميه وهو يقول: اللهم بارك لنا في لقائك

ويكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ثم صلى حتى ذهب بعض الليل، ثم جلس للتعقيب، ثم نامت عيناه وهو جالس، ثم انتبه من نومته مرعوباً، وقالت أم كلثوم: قال لأولاده: إني رأيت في هذه الليلة رؤيا هالـتـني وأريد أن أقصها عليكم قالوا: وما هي؟ قال: إني رأيت الساعة رسول الله صلّى الله عليه وآله في منامي وهو يقول لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك، وأنا والله مشتاق إليك، وإنك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان، فهلم إلينا فما عندنا خير لك وأبقى .. فلما سمعوا كلامه ضجوا بالبكاء والنحيب وأبدوا العويل، فأقسم عليهم بالسكوت فسكتوا، ثم أقبل عليهم يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر قالت أم كلثوم: لم يزل أبي تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وينظر في الكواكب وهو يقول: والله ما كذبت ولا كذبت، وإنها الليلة التي وعدت بها، ثم يعود إلى مصلاه ويقول: اللهم بارك لي في الموت
ويكثر من قول: (أنا لله وأنا إليه راجعون) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ويصلى على النبي صلّى الله عليه وآله ويستغفر الله كثيراً قالت أم كلثوم فلما رأيته في تلك الليلة قلقاً متململاً كثير الذكر والاستغفار أرقت معه ليلتي وقلت: يا أبتاه ما لي أراك هذه الليلة لا تذوق طعم الرقاد؟ قال: يا بنية إن أباك قتل الأبطال وخاض الأهوال وما دخل الخوف له جوفاً، وما دخل في قلبي رعب أكثر مما دخل في هذه الليلة ثم قال: أنا لله وأنا إليه راجعون
فقلت يا أباه ما لك تـنعى نفسك منذ الليلة؟ قال: بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل قالت أم كلثوم: فبكيت فقال لي يا بنية لا تبكي فإني لم أقل ذلك إلا بما عهد إلي النبي صلّى الله عليه وآله ثم إنه نعس وطوى ساعة ثم استيقظ من نومه، وقال: يا بنية إذا قرب الأذان فأعلميني ..ثم رجع إلى ما كان عليه أول الليل من الصلاة والدعاء والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى قالت أم كلثوم: فجعلت أرقب الأذان فلما لاح الوقت أتيته ومعي إناء فيه ماء، ثم أيقظته فأسبغ الوضوء، وقام ولبس ثيابه وفتح بابه ثم نزل إلى الدار وكان في الدار إوز قد أهدي إلى أخي الحسين عليه السلام فلما نزل خرجن وراءه ورفرفن، وصحن في وجهه..وكان قبل تلك الليلة لم يصحن فقال عليه السلام: لا إله إلا الله، صوائح تتبعها نوائح، وفي غداة غد يظهر القضاء فقلت: يا أبتاه هكذا تـتـطير؟ فقال: بنية ما منا أهل البيت من يتطير ولا يتطير به…ثم قال: يا بنية بحقي عليك إلا ما أطلقتيه، وقد حبست ما ليس له لسان، ولا يقدر على الكلام إذا جاع أو عطش فأطعميه واسقيه وإلا خلي سبيله يأكل من حشائش الأرض
فلما وصل إلى الباب فعالجه ليفتحه فتعلق الباب بمئزره فانحل مئزره حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول

أشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكــــــا ولا تجزع من المــوت إذا حــل بناديكــــــا
كما أضحك الدهـــــــر كذلك الدهر يبكـــيكا
ثم قال: اللهم بارك لنا في الموت اللهم بارك لنا في لقائك قالت أم كلثوم: وكنت أمشي خلفه فلما سمعته يقول ذلك قلت: واغوثاه يا أبتاه أراك تنعى نفسك منذ الليلة قال: يا بنية ما هو بنعاء ولكنها دلالات وعلامات للموت يتبع بعضها بعضاً، .. ثم فتح الباب وخرج قالت أم كلثوم: فجئت إلى أخي الحسن عليه السلام فقلت: يا أخي قد كان من أمر أبيك الليلة كذا وكذا وهو قد خرج في هذا الليل الغلس فالحقه فقام الحسن بن علي عليه السلام وتبعه فلحق به قبل أن يدخل الجامع فأمره الإمام بالرجوع فرجع
وأما عدو الله: عبد الرحمن بن ملجم فكان على رأي الخوارج وكانت بينه وبين قطام حب وغرام، وقطام قد قتل أبوها وأخوها وزوجها في النهروان، وقد امتلأ قلبها غيظاً وعداءً لأمير المؤمنين وأراد ابن ملجم أن يتزوجها فاشترطت عليه أن يقتل أمير المؤمنين عليه السلام فاستعظم هذا الأمر وطلبت منه ثلاثة آلاف دينار وعبداً وجارية
وقيل إنه تعاهد هو ورجلين على قتل معاوية وعمرو بن العاص واختار الثالث قتل معاوية، فقصد البرك بن عبد الله التميمي مصر ليقتل ابن العاص، ولم يخرج ابن العاص تلك الصبيحة فأرسل رجلاً يقال له: خارجة بن تميم، فلما وقف في المحراب ضربه البرك ظناً منه أنه ابن العاص فمات خارجة من تلك الضربة
وأما الآخر ويقال له: العنبري فإنه قصد الشام يقصد قتل معاوية وتعرف بمعاوية وجعل يدخل عليه ويلاطف له في الكلام وينشده الأشعار حتى صارت صبيحة يوم التاسع عشر من شهر رمضان وجاء معاوية للصلاة وثار إليه العنبري ورفع السيف ليضرب عنقه فأخطأ الضربة فوقع السيف على إلية معاوية، ولم يقتل من ضربته بل جرح جرحاً برء بالمعالجة
وأما عبد الرحمن بن ملجم فقد جاء تلك الليلة وبات في المسجد ينتظر طلوع الفجر ومجيء الإمام للصلاة وهو يفكر حول الجريمة العظمى التي قصد ارتكابها ومعه رجلان: شبيب بن بحرة ووردان بن مجالد يساعدانه على قتل الإمام..
وسار الإمام إلى المسجد فصلى في المسجد، ثم صعد المأذنة ووضع سبابته في أذنيه وتـنحنح، ثم أذن، فلم يبق في الكوفة بيت إلا اخترقه صوته، ثم نزل عن المأذنة وهو يسبح الله ويقدسه ويكبره، ويكثر من الصلاة على النبي صلّى الله عليه وآله، وكان يتـفـقـد النائمين في المسجد ويقول للنائم: الصلاة، يرحمك الله، قم إلى الصلاة المكتوبة ثم يتلو: إن الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر
لم يزل الإمام يفعل ذلك حتى وصل إلى ابن ملجم وهو نائم على وجهه وقد أخفى سيفه تحت إزاره فقال له الإمام: يا هذا قم من نومك هذا فإنها نومة يمقتها الله، وهي نومة الشيطان، ونومة أهل النار بل نم على يمينك فإنها نومة العلماء، أو على يسارك فإنها نومة الحكماء، أو نم على ظهرك فإنها نومة الأنبياء...
كل أحد حتى قاتله!! ثم قال له الإمام: لقد هممت بشيء تكاد السماوات أن يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداً، ولو شئت لأنبأتك بما تحت ثيابك ثم تركه، واتجه إلى المحراب، وقام قائماً يصلي، وكان عليه السلام يطيل الركوع والسجود في صلاته، فقام المجرم الشقي لإنجاز أكبر جريمة في تاريخ الكون!! وأقبل مسرعاً يمشي حتى وقف بازاء الاسطوانة التي كان الإمام يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وسجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها فتقدم اللعين وأخذ السيف وهزه ثم ضربه على رأسه الشريف فوقعت الضربة على مكان الضربة التي ضربه عمر بن عبدود العامري..

فوقع الإمام على وجهه قائلاً: بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم صاح الإمام: قتـلني ابن ملجم قتلني ابن اليهودية، أيها الناس لا يفوتكم ابن ملجم

...
فهنا أخبر الإمام عن قاتله كيلا يشتبه الناس بغيره فيقتلون البريء، كما قتل في حادثة قتل عمر بن الخطاب جماعة من الأبرياء المساكين الذين هجم عليهم عبيد الله بن عمر وقتلهم

حتى في تلك اللحظة يحافظ الإمام على النظام وعلى حياة الناس، نبع الدم العبيط من هامة الإمام وسال على وجهه المنير، وخضب لحيته الكريمة وصدق كلام الرسول ووقع ما أخبر به، لم يفقد الإمام وعيه وما انهارت أعصابه بالرغم من وصول الضربة إلى جبهته وبين حاجبيه، فجعل يشد الضربة بمئزره ويضع عليها التراب، ولم يمهله الدم فقد سال على صدره وأزياقه، وعوضاً من التأوه والتألم والتوجع كان يقول صلوات الله عليه: فزت ورب الكعبة! هذا ما وعد الله ورسوله! وصدق الله ورسوله! استولت الدهشة والذهول على الناس، وخاصة على المصلين في المسجد، وفي تلك اللحظة هتف جبرائيل بذلك الهتاف السماوي لم نسمع في تاريخ الأنبياء أن جبرائيل هتف يوم وفاة نبي من الأنبياء أو وصي من الأوصياء، ولكنه هتف ذلك الهتاف لما وصل السيف إلى هامة الإمام وهو بعد حي، هتف بشهادته كما هتف يوم أحد بفتوته وشهامته يوم قال: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار فاصطفت أبواب الجامع وضجت الملائكة في السماء بالدعاء وهبت ريح عاصف سوداء مظلمة ونادى جبرائيل بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى وانفصمت والله العروة الوثقى قتل ابن عم محمد المصطفى صلّى الله عليه وآله قتل الوصي المجتبى قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء
فلما سمعت أم كلثوم نعي جبرائيل لطمت على وجهها، وخدها وشقت جيبها وصاحت: واأبتاه واعلياه وامحمداه واسيداه
وخرج الحسن والحسين فإذا الناس ينوحون وينادون: واإماماه واأمير المؤمنيناه، قتل والله إمام عابد مجاهد لم يسجد لصنم قط وكان أشبه الناس برسول الله
فلما سمع الحسن والحسين (عليهما السلام) صرخات الناس ناديا: واأبتاه واعلياه ليت الموت أعدمنا الحياة، فلما وصلا إلى الجامع ودخلا وجدا أبا جعدة بن هبيرة ومعه جماعة من الناس وهم يجتهدون أن يقيموا الإمام في المحراب ليصلي بالناس
فلم يطق على النهوض، وتأخر عن الصف وتقدم الحسن عليه السلام فصلى بالناس، وأمير المؤمنين عليه السلام صلى إيماء من جلوس وهو يمسح الدم عن وجهه وكريمته يميل تارة ويسكن أخرى والحسن عليه السلام ينادي: واانقطاع ظهراه! يعز ـ والله ـ علي أن أراك هكذا ـ ففتح الإمام عليه السلام عينه
وقال: يا بني لا جزع على أبيك بعد اليوم! هذا جدك محمد المصطفى وجدتك خديجة الكبرى وأمك فاطمة الزهراء والحور العين محدقون فينتظرون قدوم أبيك، فطب نفساً وقر عيناً وكف عن البكاء، فإن الملائكة قد ارتفعت أصواتهم إلى السماء
ثم إن الخبر شاع في جوانب الكوفة وانحشر الناس حتى المخدرات خرجن من خدرهن إلى الجامع ينظرون إلى الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام فدخل الناس الجامع فوجدوا الحسن عليه السلام ورأس أبيه في حجره وقد غسل الدم عنه، وشد الضربة وهي بعدها تشخب دماً ووجهه قد زاد بياضاً بصفرة وهو يرمق السماء بطرفه، ولسانه يسبح الله ويوحده، وهو يقول أسألك يا رب الرفيع الأعلى
فأخذ الحسن (عليه السلام) رأسه في حجره فوجده مغشياً عليه فعندها بكى بكاء شديداً وجعل يقبل وجه أبيه وما بين عينيه وموضع سجوده فسقط من دموعه قطرات على وجه أمير المؤمنين عليه السلام ففتح عينيه فرآه باكياً

فقال له الإمام (عليه السلام): يا بني يا حسن ما هذا البكاء؟ يا بني لا روع على أبيك بعد اليوم! يا بني أتجزع على أبيك وغداً تقتل بعدي مسموماً مظلوماً؟ ويقتل أخوك بالسيف هكذا؟ وتلحقان بجدكما وأبيكما وأمكما؟ فقال له الحسن عليه السلام: يا أبتاه ما تعرفنا من قتلك؟ ومن فعل بك هذا؟ قال عليه السلام: قتلني ابن اليهودية: عبد الرحمن بن ملجم المرادي فقال: يا أباه من أي طريق مضى؟ قال: لا يمضي أحد في طلبه فإنه سيطلع عليكم من هذا الباب …وأشار بيده الشريفة إلى باب كنده
ولم يزل السم يسري في رأسه وبدنه ثم أغمي عليه ساعة والناس ينتظرون قدوم الملعون من باب كنده، فاشتغل الناس بالنظر إلى الباب ويرتقبون قدوم الملعون وقد غص المسجد بالعالم ما بين باكٍ ومحزون فما كان إلا ساعة وإذا بالصيحة قد ارتفعت، من الناس وقد جاءوا بعدو الله ابن ملجم مكتوفاً هذا يلعنه وهذا يضربه
فوقع الناس بعضهم على بعض ينظرون إليه فأقبلوا باللعين مكتوفاً وهم ينهشون لحمه بأسنانهم، ويقولون له: يا عدو الله ما فعلت؟ أهلكت أمة محمد صلّى الله عليه وآله وقتلت خير الناس ..وإنه لصامت وبين يديه رجل يقال له حذيفة النخعي بيده سيف مشهور وهو يرد الناس عن قتله.. وهو يقول هذا قاتل الإمام علي عليه السلام حتى أدخلوه إلى المسجد..وكانت عيناه قد طارتا في أم رأسه كأنهما قطعتا علق وقد وقعت في وجهه ضربة قد هشمت وجهه وأنفه والدم يسيل على لحيته وعلى صدره، وهو ينظر يميناً وشمالاً وعيناه قد طارتا في أم رأسه وهو أسمر اللون وكان على رأسه شعر أسود منشوراً على وجهه كأنه الشيطان الرجيم..فلما جاءوا به أوقفوه بين يدي أمير المؤمنين (عليه السلام) فلما نظر إليه الحسن عليه السلام: قال له: يا ويلك يا لعين! يا عدو الله! أنت قاتل أمير المؤمنين ومثـكلنا بإمام المسلمين؟ هذا جزاؤه منك حيث آواك وقربك وأدناك وآثرك على غيرك؟ وهل كان بئس الإمام لك حتى جازيته هذا الجزاء يا شقي؟؟ فلم يتكلم بل دمعت عيناه…فقال له الملعون: يا أبا محمد أفأنت تنقذ من في النار؟ فعند ذاك ضج الناس بالبكاء والنحيب…فأمر الحسن (عليه السلام) بالسكوت ثم التفت الحسن عليه السلام إلى الذي جاء به حذيفة فقال له: كيف ظفرت بعدو الله وأين لقيته؟ فقال: يا مولاي كنت نائماً في داري إذ سمعت زوجتي الزعقة، وناعياً ينعي أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يقول: تهدمت والله أركان الهدى وانطمست والله أعلام التقى قتل ابن عم محمد المصطفى قتل علي المرتضى قتله أشقى الأشقياء...فأيقظتني وقالت لي: أنت نائم؟ وقد قتل إمامك علي بن أبي طالب
فانتبهت من كلامها فزعاً مرعوباً وقلت لها: يا ويلك ما هذا الكلام؟ رض الله فاك! لعل الشيطان قد ألقى في سمعك هذا أن أمير المؤمنين ليس لأحد من خلق الله تعالى قبله تبعه ولا ظلامة، فمن ذا الذي يقدر على قتل أمير المؤمنين؟ وهو الأسد الضرغام والبطل الهمام والفارس القمقام فأكثرت علي وقالت: إني سمعت ما لم تسمع وعلمت ما لم تعلم، فقلت لها: وما سمعت فأخبرتي بالصوت
ثم قالت: ما أظن أن بيتاً في الكوفة إلا وقد دخله هذا الصوت
قال: وبينما أنا وهي في مراجعة الكلام وإذا بصيحة عظيمة وجلبة وقائل يقول: قتل أمير المؤمنين عليه السلام فحس قلبي بالشر فمددت يدي إلى سيفي وسللته من غمده، وأخذته ونزلت مسرعاً، وفتحت باب داري وخرجت، فلما صرت في وسط الجادة نظرت يميناً وشمالاً فإذا بعدو الله يجول فيها، يطلب مهرباً فلم يجد، وإذا قد انسدت الطرقات في وجهه، فلما نظرت إليه وهو كذلك رابني أمره فناديته: من أنت وما تريد؟ لا أم لك! في وسط هذا الدرب؟ فتسمى بغير اسمه، وانتمى إلى غير كنيته فقلت له: من أين أقبلت؟ قال: من منزلي قلت: وإلى أين تريد لأن تمضي في هذا الوقت؟ قال إلى الحيرة، فقلت: ولم لا تقعد حتى تصلي مع أمير المؤمنين عليه السلام صلاة الغدة وتمضي في حاجتك؟ فقال: أخشى أن أقعد للصلاة فتـفوتـني حاجتي
فقلت: يا ويلك إني سمعت صيحة وقائلاً يقول قتل أمير المؤمنين عليه السلام فهل عندك من ذلك خبر؟ قال: لا علم لي بذلك
فقلت له: ولم لا تمضي معي حتى تحقق الخبر وتمضي في حاجتك؟ فقال: أنا ماض في حاجتي وهي أهم من ذلك
فلما قال لي مثل ذلك القول قلت: يا لكع الرجال حاجتك أحب إليك من الجسس لأمير المؤمنين وإمام المسلمين؟ وإذا والله يا لكع ما لك عند الله من خلاق
وحملت عليه بسيفي وهممت أن أعلو به، فراغ عني فبينما أنا أخاطبه وهو يخاطبني إذ هبت ريح فكشفت إزاره وإذا بسيفه يلمع تحت الإزار وكأنه مرآة مصقولة
فلما رأيت بريقه تحت ثيابه قلت: يا ويلك ما هذا السيف المشهور تحت ثيابك؟ لعلك أنت قاتل أمير المؤمنين فأراد أن يقول: لا
فأنطق الله لسانه بالحق فقال: نعم، فرفعت سيفي وضربته فرفع هو سيفه وهم أن يعلوني به فانحرفت عنه فضربته على ساقيه فأوقعته ووقع لجينه ووقعت عليه وصرخت صرخة شديدة وأردت أخذ سيفه فمانعني عنه، فخرج أهل الحيرة فأعانوني عليه حتى أوثـقـته وجئتك به، فهو بين يديك جعلني الله فداك فاصنع به ما شئت
فقال الحسن (عليه السلام): الحمد لله الذي نصر وليه وخذل عدوه ثم انكب الحسن عليه السلام على أبيه يقبله وقال: يا أباه هذا عدو الله وعدوك قد أمكن الله منه
ففتح عينيه (عليه السلام) وهو يقول: أرفقوا بي يا ملائكة ربي
فقال له الحسن (عليه السلام): هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك
ففتح أمير المؤمنين (عليه السلام) عينيه ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه
فقال له بضعف وانكسار صوت ورأفة ورحمة: يا هذا لقد جئت عظيماً، وارتكبت أمراً عظيماً، وخطباً جسيماً، أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء؟ ألم أكن شفيقاً عليك وآثرتك على غيرك وأحسنت إليك وزدت في عطائك؟ ألم أكن يقال لي فيك كذا وكذا، فخليت لك السبيل ومنحتك عطائي؟ وقد كنت أعلم أنك قاتلي لا محالة ولكن رجوت بذلك الاستظهار من الله تعالى عليك يا لكع فغلبت عليك الشقاوة فـقتـلـتـني يا شقي الأشقياء؟ فدمعت عينا ابن ملجم وقال يا أمير المؤمنين: أفأنت تنقذ من في النار
قال له: صدقت ثم التفت (عليه السلام) إلى ولده الحسن (عليه السلام) وقال له: إرفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه واشفق عليه، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أم رأسه وقلبه يرجف خوفا وفزعاً؟؟ فقال له الحسن عليه السلام يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به؟ فقال: نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلا كرماً وعفواً! والرحمة والشفقة من شيمتـنا! بحقي عليك فاطعمه يا بني مما تأكله! واسقه مما تشرب! ولا تقيد له قدماً ولا تغل له يداً! فإن أنا مت فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة ولا تحرقه بالنار ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله صلّى الله عليه وآله يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور، وإن أنا عشت فأنا أولى به بالعفو عنه وأنا أعلم بما أفعل به.

 

 

 

 

 

 

 

شهادة الإمام علي بن أبي طالب(عليهما السلام)

 

 

 

 

    

اسمه ونسبه(عليه السلام)

الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب(عليهم السلام).

كنيته(عليه السلام)

أبو الحسن، أبو الحسين، أبو السبطين، أبو الريحانتين، أبو تراب… والأُولى أشهرها.

ألقابه(عليه السلام)

أمير المؤمنين، إمام المتّقين، سيّد الأوصياء، سيّد المسلمين، سيّد العرب، حيدر، المرتضى، يَعسُوب الدين، الأَنزع البَطين، قائد الغُرِّ المُحَجّلين، أَسد الله وأسد رسوله… وأشهرها أمير المؤمنين.

تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها

الجمعة 13 رجب، قبل البعثة النبوية بعشر سنين، وبعد عام الفيل بثلاثين سنة، بيت الله الحرام (الكعبة)، مكّة المكرّمة.

أُمّه(عليه السلام) وزوجته

أُمّه السيّدة فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وزوجته السيّدة فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله).

مدّة عمره(عليه السلام) وإمامته وحكومته

عمره 63 سنة، وإمامته 30 سنة، وحكومته 3 سنوات.

حكّام عصره(عليه السلام) في سني إمامته

أبو بكر، عمر بن الخطّاب، عثمان بن عفّان.

حروبه(عليه السلام)

اشترك(عليه السلام) في حروب رسول الله(صلى الله عليه وآله) جميعاً، عدا غزوة تبوك، حيث أمره الرسول(صلى الله عليه وآله) بالبقاء في المدينة المنوّرة، وذلك لإدارة شؤونها.

أمّا الحروب التي قادها بنفسه في زمن خلافته(عليه السلام) فهي: الجمل، صفّين، النهروان.

تاريخ شهادته(عليه السلام) ومكانها

21 رمضان 40ﻫ، الكوفة، العراق.

سبب شهادته(عليه السلام)

ضربه الملعون عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالسيف على أُمّ رأسه(عليه السلام) في حال سجوده في المحراب بمسجد الكوفة.

مكان دفنه(عليه السلام)

النجف الأشرف، منطقة الغري.

من أقوال الشعراء في شهادته(عليه السلام)

1ـ قال الشاعر أبو الأسود الدؤلي(رحمه الله):

أَلا يا عينُ ويحكِ فاسعدينا ** أَلا فابكي أميرَ المؤمنينا

رُزِئْنا خيرَ مَنْ رَكِبَ المَطايا ** وفارسَها وَمَنْ رَكِبَ السفينا

ومَنْ لبسَ النعالَ ومَنْ حَذاها ** ومَنْ قرَأ المثاني والمئينا

فكلُّ مَناقبِ الخيْراتِ فِيهِ ** وحُبُّ رَسولِ ربِّ العالمينا

وكنّا قبْلَ مقتلِهِ بِخَيْرٍ ** نَرى مولى رَسولِ اللهِ فِينا(1).

2ـ قال الشاعر السيّد محمّد جمال الهاشمي(قدس سره):

رزء له الإسلام ضجّ وحادث ** من وقعه قلب الهدى يتصدّع

الله أكبر أي جرم ذكره ** يدمي القلوب فتستهلّ الأدمع

يا ليلة القدر اذهبي مفجوعة ** فلقد قضى فيك الإمام الأنزع(2).

3ـ قال الشاعر الشيخ عبد الحسين شكر(قدس سره):

عرا المكارم خطب شيب بالكدر ** لم يبق من بعده للمجد من أثر

رزء له العروة الوثقى قد انفصمت ** والشمس قد كوّرت تبكي على القمر

لله من فادح أبكى الهدى بدم ** مذ حلّ بالدين كسر غير منجبر

لله يوم له أغرت قطام به ** أشقى مراد فكانت عبرة العبر

شقّ المفارق من قرم بضربته ** قد شقّ فرق الهدى والمجد والخطر(3).

ما قيل في حقّه(عليه السلام)

1ـ عن بعض الفضلاء وقد سُئل عن فضائله(عليه السلام) فقال: «ما أقول في شخصٍ أخفى أعداؤه فضائله حسداً، وأخفى أولياؤه فضائله خوفاً وحذراً، وظهر فيما بين هذين ما طبقت الشرق والغرب»(4).

2ـ عن هارون الحضرمي قال: «سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما جاء لأحدٍ من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) من الفضائل ما جاء لعلي بن أبي طالب(عليه السلام)»(5).

3ـ قال محمّد بن إسحاق الواقدي: «إنّ علياً كان من معجزات النبي(صلى الله عليه وآله)، كالعصا لموسى(عليه السلام)، وإحياء الموتى لعيسى(عليه السلام)»(6).

4ـ قال الدكتور طه حسين: «كان الفرق بين علي(عليه السلام) ومعاوية عظيماً في السيرة والسياسة، فقد كان علي مؤمناً بالخلافة ويرى أنّ من الحقّ عليه أن يقيم العدل بأوسع معانيه بين الناس، أمّا معاوية فإنّه لا يجد في ذلك بأساً ولا جناحاً، فكان الطامعون يجدون عنده ما يريدون، وكان الزاهدون يجدون عند علي ما يحبّون»(7).

5ـ قال خليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض: «احتياج الكلّ إليه واستغناؤه عن الكلّ دليل على أنّه إمام الكلّ»(8).

6ـ قال الدكتور السعادة: «قد أجمع المؤرّخون وكتب السير على أنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) كان ممتازاً بمميّزات كبرى لم تجتمع لغيره، هو أُمّة في رجل»(9).

7ـ قال ابن أبي الحديد: «اُنظر إلى الفصاحة كيف تعطي هذا الرجل قيادها، وتملّكه زمامها، فسبحان الله من منح هذا الرجل هذه المزايا النفيسة والخصائص الشريفة، أن يكون غلام من أبناء عرب مكّة لم يخالط الحكماء، وخرج أعرف بالحكمة من‏ أفلاطون وأرسطو، ولم يعاشر أرباب الحكم الخلقية، وخرج أعرف بهذا الباب من سقراط، ولم يرب بين الشجعان، لأنّ أهل مكّة كانوا ذوي تجارة، وخرج أشجع من كلّ بشرٍ مشى على الأرض»(10).

8ـ قال الفخر الرازي: «ومن اتّخذ علياً إماماً لدينه فقد استمسك بالعروة الوثقى في دينه ونفسه»(11).

9ـ قال جبران خليل جبران: «إنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) كلام الله الناطق، وقلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من الأصحاب شبه المعقول إلى المحسوس، وذاته من شدّة الاقتراب ممسوس في ذات الله»(12).

ـــــــــــــــــ

1. أعيان الشيعة 7/403.

2. مستدركات أعيان الشيعة 2/291.

3. أعيان الشيعة 7/438.

4. مقدّمة المناقب للخوارزمي: 8.

5. فرائد السمطين1/79.

6. الفهرست: 111.

7. علي وبنوه: 59.

8. عبقرية الإمام: 138.

9. مقدّمة الإمام علي للدكتور السعادة.

10. شرح نهج البلاغة 16/146.

11. تفسير الفخر الرازي 1/207.

12. حاشية الشفاء: 566 ـ باب الخليفة والإمام.

بقلم : محمد أمين نجف

 

 

معانات الإمام علي ( عليه السلام ) وأهل بيته من معاوية

سخَّر معاوية جميع أجهزته للحطِّ من قيمة أهل البيت ( عليهم السلام ) الذين هم وديعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والعصب الحساس في هذه الأمة .

وقد استخدام أخطر الوسائل في محاربتهم ، وإقصائهم عن واقع الحياة الإسلامية ، وكان من بين ما استخدمه في ذلك ما يلي :

أولاً : تسخير الوعاظ :

فسخَّر معاوية الوعاظ في جميع أنحاء البلاد ، لِيحوِّلوا القلوب عن أهل البيت ( عليهم السلام ) ، ويذيعوا الأضاليل في انتقاصهم تدعيماً للحكم الأموي .

ثانياً : استخدام معاهد التعليم :

واستخدم معاوية معاهد التعليم وأجهزة الكتاتيب لتغذية الناشئين بِبُغضِ أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وخلق جيل مُعادٍ لَهُم .

وقد قامت تلك الأجهزة بدور خطير في بَثِّ روح الكراهية في نفوس الناشئين لِعِترة النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

ثالثاً : افتعال الأخبار :

وأقام معاوية شبكة لوضع الأخبار ، وكانت تعد من أخطر الشبكات التخريبية في الإسلام .

فعهد إليها بوضع الأحاديث على لِسَان النبي ( صلى الله عليه وآله ) لِلحَطِّ من قيمة أهل البيت ( عليهم السلام ) .

أما الأعضاء البارزون الذين سخَّرهم معاوية في تلك الشبكات التخريبية فهم :

1 – أبو هريرة الدُّوسي .

2 – سمرة بن جندب .

3 – عمرو بن العاص .

4 – المغيرة بن شعبة .

وقد افتعلوا آلاف الأحاديث على لسان النبي ( صلى الله عليه وآله ) .

وقد كانت عِدَّة طوائف مختلفة ، وذلك بحسب التخطيط السياسي للدولة ، هي :

الطائفة الأولى :

وضع الأخبار في فضل الصحابة ، لجعلهم قِبَال أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وقد عَدَّ الإمام الباقر ( عليه السلام ) أكثر من مِائة حديث منها :

1 – ( إنَّ عُمَر مُحدَّث ) ، – بصيغة المفعول – ، أي : تُحدِّثُه الملائكة .

2 – إن السَّكِينة تُنطق على لِسان عُمر .

3 – إنَّ عُمَر يُلقِّنُه المَلَك .

4 – إن المَلائكة لَتَستحي من عُثمان .

كما وضعوا في فضل الصحابة الأحاديث المماثلة للأحاديث النبوية في فضل العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) ، مثلاً : ( إنَّ سيدَي كُهول أهل الجنة أبو بكر وعمر ) .

وقد قال ( صلى الله عليه وآله ) عن الحسن والحسين ( عليهما السلام ) : ( الحَسن والحُسَين سيدا شباب أهل الجنة ) .

الطائفة الثانية :

وضع الأخبار في ذمِّ العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) ، والحطِّ من شأنها .

فقد أعطى معاوية سمرة بن جندب أربع مِائة ألف درهم على أن يخطب في أهل الشام ، ويروي لهم أن الآية الكريمة نزلت في الإمام علي ( عليه السلام ) ، وهي قوله تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيوةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ ) البقرة 204 – 205 .

فروى لهم سمرة ذلك ، وأخذ العِوَض الضخم من بيت مال المسلمين .

ومِمَّا رووا أن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال في آل أبي طالب : ( إن آل أبي طالب ليسوا بأولياء لي ، إنما وليِّي اللهُ وصالحُ المؤمنين ) .

وروى الأعمش أنه لما قدم أبو هريرة العراق مع معاوية عام الجماعة ( سنة 41 هـ ) جاء إلى مسجد الكوفة ، فلما رأى كثرة من استقبله من الناس جَثَا على ركبتيه ، ثم ضرب صَلعته مراراً ، وقال : ( يا أهل العراق أتزعمون أني أكذب على رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأحرق نفسي بالنار ؟!! لقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول :

( إنَّ لكل نبيٍّ حَرماً ، وإِنَّ حَرمي بالمدينة ما بين عير إلى ثور ، فمن أحدث فيهما حدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، وأشهد بالله أن عَلياً أحدث فيها ) ، فلما بلغ معاوية قوله ، أجازه وأكرمه ، وولاَّه إمارة المدينة .

إلى كثير من أمثال هذه الموضوعات التي تقدح في العترة الطاهرة ( عليهم السلام ) التي هي مصدر الوعي والإحساس في العالم الإسلامي .

الطائفة الثالثة :

افتعال الأخبار في فضل معاوية ، لمحو العار الذي لحقه ولحق أباه وأسرته في مناهضتهم للإسلام .

وإخفاء ما أُثِر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في ذَمِّهم ، وهذه بعض الأخبار المفتعلة :

1 – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( معاوية بن أبي سفيان أحْلَم أُمَّتي وأجودها ) .

2 – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( صاحبُ سِرِّي معاوية بن أبي سفيان ) .

3 – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اللَّهُمَّ عَلِّمهُ الكتاب – يعني معاوية – ، وقِهِ العذاب ، وأدخله الجنة ) .

4 – قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقبلوه ، فإنه أمين هذه الأمة ) .

إلى غير ذلك من الأحاديث الموضوعة ، التي تعكس الصراع الفكري ضد الإسلام عند معاوية ، وأنه حاول جاهداً مَحْو هذا الدين والقضاء عليه .

وقد امتُحِن المسلمون امتحاناً عسيراً بهذه الموضوعات التي دُوِّنت في كتب السنة ، وظنَّ الكثيرون من المسلمين أنها حق .

فأضفوا على معاوية ثوب القداسة ، وألحقوه بالرعيل الأول من الصحابة المتحرِّجين في دينهم ، وهم من دون شَكٍّ لو علموا واقعها لتبرَّؤوا منها ، كما يقول المدايني .

ولم تقتصر الموضوعات على تقديس معاوية والحطِّ من شان أهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإنما تدخلت في شؤون الشريعة ، فأُلصقت بها المتناقضات والمستحيلات ، مِمَّا شوَّهت الواقع الإسلامي ، وأفسدت عقائد المسلمين .

سَبّ الإمام علي ( عليه السلام ) :

وتمادى معاوية في عدائه الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأعلَنَ سَبَّه ولعنه في نواديه العامة والخاصة ، وأوعز إلى جميع عُمَّاله وولاته أن يذيعوا سَبَّه بين الناس .

وسرى سَبُّ الإمام ( عليه السلام ) في جميع أنحاء العالم الإسلامي .

وقد خطب معاوية في أهل الشام فقال لهم : ( أيها الناس ، إن رسول الله قال لي : إنك ستلي الخلافة من بعدي ، فاختر الأرض المقدَّسة – يعني الشام – ، فإن فيها الأبدال ، وقد اخترتكم ، فالعنوا أبا تراب ) .

وعجَّ أهل الشام بِسَبِّ الإمام ( عليه السلام ) .

وخطب أيضاً في أولئك الوحوش فقال لهم : ( ما ظنكم برجل – يعني : علياً – لا يصلح لأخيه – يعني : عقيلاً – ، يا أهل الشام ، إن أبا لهب المذموم في القرآن هو عم علي بن أبي طالب ) .

ويقول المؤرخون : إنه كان إذا خطب ختم خطابه بقوله : ( اللَّهم إن أبا تراب أَلْحَدَ في دينك ، وصَدَّ عن سبيلك ، فالعنه لعنا وبيلاً ، وعَذِّبه عذاباً أليما ) .

وكان يُشاد بهذه الكلمات على المنابر ، ولما ولي معاوية المغيرة بن شعبة إمارة الكوفة كان أهم ما عهد إليه أن لا يتسامح في شتم الإمام ( عليه السلام ) ، والترحُّم على عثمان ، والعيب لأصحاب علي وإقصائهم .

وأقام المغيرة والياً على الكوفة سبع سنين ، وهو لا يدع ذمُّ علي ( عليه السلام ) والوقوع فيه .

وقد أراد معاوية بذلك أن يصرف القلوب عن الإمام ( عليه السلام ) ، وأن يحول بين الناس وبين مبادئه التي أصبحت تطارده في قصوره ، لأن مبادئه ( عليه السلام ) في الحكم ، وآراءه في السياسة ، كانت تنغِّصُ عليه – على معاوية – في موته ( عليه السلام ) ، كما كانت في حياته ( عليه السلام ) .

لقد عادت اللَّعَنات التي كان يَصبُّها معاوية وولاته على الإمام بإظهار فضائله ، فقد برز الإمام ( عليه السلام ) للناس أروع صفحة في تاريخ الإنسانية كلّها .

وظهر للمجتمع أنه المنادي الأول بحقوق الإنسان ، والمؤسس الأول للعدالة الاجتماعية في الأرض .

وقد انطوت السنون والأحقاب ، واندكَّت مَعالم تلك الدول التي ناوئت الإمام ( عليه السلام ) ، سواء أكانت من بني أمية ، أم من بني العباس ، ولم يبق لها أثر .

وبقى الإمام ( عليه السلام ) وحده قد احتلَّ قمة المجد ، فها هو رائد الإنسانية الأول ، وقائدها الأعلى .

وإذا بحكمه ( عليه السلام ) القصير الأمد يصبح طغراء في حكام هذا الشرق .

وإذا بالوثائق الرسمية التي أُثِرت عنه ( عليه السلام ) تصبح مناراً لكل حكم صالح ، يستهدف تحقيق القضايا المصيرية للشعوب .

وإذا بحكم معاوية أصبح رمزاً للخيانة ، والعَمَالة ، ورمزاً لاضطهاد الشعوب واحتقارها .

ستر فضائل أهل البيت ( عليهم السلام ) :

وحاول معاوية بجميع طاقاته حجب فضائل آل البيت ( عليهم السلام ) ، وستر مآثرهم عن المسلمين ، وعدم إذاعة ما أُثِر عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) في فضلهم .

يقول المؤرخون : إنه بعد عام الصلح حَجَّ معاوية بيت الله الحرام ، وإلتقى عبد الله بن عباس وقال له : إنا كتبنا إلى الآفاق ننهى عن ذكر مناقب علي وأهل بيته ، فَكُفَّ لسانك يا بن عباس .

فانبرى ابن عباس بفيض من منطقه وبليغ حُجَّته ، يُسدِّد سهاماً لمعاوية قائلاً : فتنهانا عن قراءة القرآن ؟

قال معاوية : لا .

فقال ابن عباس : فتنهانا عن تأويله ؟

قال معاوية : نعم .

فقال ابن عباس : فنقرأه ولا نسأل عَمَّا عنى اللهُ به ؟

قال معاوية : نعم .

فقال ابن عباس : فأيهما أوجب علينا ، قراءته أو العمل به ؟

قال معاوية : العمل به .

فقال ابن عباس : فكيف نعمل به حتى نعلم ما عنى الله بما أنزل علينا ؟

قال معاوية : اقرأوا القرآن ، ولا ترووا شيئاً مما أنزل الله فيكم ، ومما قاله رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيكم ، وارووا ما سوى ذلك .

فسخر منه ابن عباس ، وتلا قوله تعالى : ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة 32 .

وصاح به معاوية : ( اكفني نفسك ، وكفَّ عنِّي لسانك ، وإن كنت فاعلاً فليكن سِراً ، ولا تُسمِعُه أحداً علانية ) .

ودلَّت هذه المحاورة على عمق الوسائل التي اتَّخذها معاوية في مناهضته لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، وإخفاء مآثرهم ، حتى بلغ الحقد به على الإمام ( عليه السلام ) أنه لما ظهر عمرو بن العاص بِمِصر على محمد بن أبي بكر وقتله ، استولى على كُتُبه ومذكَّراته ، وكان من بينها عهد الإمام له ، وهو من أروع الوثائق السياسية ، فرفعه ابن العاص إلى معاوية ، فلما رآه قال لخاصَّته :

( إنا لا نقول هذا من كتب علي بن أبي طالب ، ولكن نقول : هذا من كتب أبي بكر التي كانت عنده ) .

التحرُّج من ذكر الإمام ( عليه السلام ) :

وأسرف الحكم الأموي إلى حَدٍّ بعيد في محاربة الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فقد عهد بقتل كل مولود يُسمَّى عَلياً ، فبلغ ذلك علي بن رياح فخاف ، وقال : لا أجعل في حِلٍّ من سَمَّاني عَلياً ، فإن اسمي : عُلِي – بضم العين – .

ويقول المؤرخون : ( إن العلماء والمحدِّثين تحرَّجوا من ذكر الإمام علي ( عليه السلام ) والرواية عنه ، خوفاً من بني أمية ، فكانوا إذا أرادوا أن يرووا عنه يقولون : روى أبو زينب ) .

وروى معمر ، عن الزهري ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ( إنَّ الله عزَّ وجلَّ منع بني إسرائيل قطر السماء لسوء رأيهم في أنبيائهم ، واختلافهم في دينهم ، وإنه أخذ على هذه الأمة بالسنين ، ومنعهم قطر السماء ببغضهم علي بن أبي طالب ) .

قال معمر : حدثني الزهري في مَرْضَةٍ مَرِضَها ، ولم أسمعه يحدث عن عكرمة قبلها ولا بعدها ، فلما أبل من مرضه ندم على حديثه لي ، وقال :

يا يماني ، أكتم هذا الحديث واطوِهِ دوني ، فإن هؤلاء – يعني بني أمية – لا يعذرون أحداً في تقريض علي وذكره .

هذه بعض المِحَن التي عاناها المسلمون في مَوَدَّتِهم لأهل البيت ( عليهم السلام ) ، التي هي جزء من دينهم .

 

قال ابن عباس ( رضوان الله عليه ) : سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : ( أعطَاني اللهُ تعالى خَمساً وأعطى عَليّاً خمساً ، أعطاني جَوامِعَ الكَلِم وأعطى عَليّاً جوامع العِلم ، وجعلني نبيّاً وجعلَه وصيّاً ، وأعطاني الكَوثَر وأعطاه السَلْسَبيل ، وأعطاني الوَحي وأعطاه الإلهام ، وأسرَى بي إليه وفَتَح له أبوابَ السماوات والحُجُب حتى نَظرَ إليَّ ونظرتُ إليه ) .

ثم بكى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقلت له : ما يبكيك يا رسول الله ، فداك أبي وأمي ؟

قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا بنَ عبَّاس ، إنَّ أول ما كلَّمَني به ربي قال : يَا مُحمَّد ، انظر تحتَك ) .

فنظرتُ إلى الحُجُب قد انحَرقت ، وإلى أبواب السماء قد انفتحت ، ونظرت إلى علي وهو رافع رأسه إلي ، فَكلَّمَني وكلَّمتُه وكلَّمني ربِّي عزَّ وجلَّ ) .

فقلت : يا رسول الله ، بما كَلَّمَكَ ربّك .

قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( قال لي : يا مُحمَّد ، إني جعلتُ عليّاً وَصيَّك ، ووزيرك ، وخليفَتَك من بعدك ، فأعلِمْهُ فَهَا هو يسمعُ كَلامَك ، فأعلمتُهُ وأنا بين يَدَي رَبِّي عزَّ وجلَّ .

فقال لي : قَد قَبلتُ وأطعتُ .

فأمر اللهُ تعالى الملائكةَ يتباشَرون به ، وما مَرَرتُ بملأٍ من ملائكة السماوات إلا هَنَّئوني وقالوا : يا مُحمَّد ، والذي بَعثك بالحقِّ نبيّاً ، لقد دخل السّرورُ على جميعِ الملائكة باستخلاف الله عزَّ وجلَّ ابنَ عمِّك .

ورأيتُ حَمَلة العرش قد نَكَّسوا رؤوسَهم إلى الأرض ، فقلت : يا جبرائيل ، لم نَكَّس حَمَلةُ العرشِ رؤوسَهم .

قال : يا مُحمَّد ، مَا من مَلَكٍ من الملائكة إلاَّ وقد نظر إلى وجه علي بن أبي طالب استبشاراً به ، ما خَلا حَمَلة العرش ، فإنهم استأذنوا الله عزَّ وجلَّ في هذه الساعة ، فأذِنَ لهم ، فنظروا إلى على بن أبي طالب .

فلما هبطْتُ جعلتُ أخبره بذلك وهو يُخبرُني به ، فَعلمتُ أني لم أطَأ موطِئاً إلا وقد كُشِف لعلي عنه حتى نَظَر إليه ) .

فقلت : يا رسول الله ، أوصني .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( عليكَ بِمَودَّة علي بن أبي طالب ، والذي بَعثَني بالحقِّ نبيّاً ، لا يَقبلُ اللهُ تعالى من عبدٍ حسنةً حَتَّى يسأله عن حُبِّ علي بن أبي طالب ) .

ثم قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( اِعلمْ ، فمن ماتَ على ولايته قُبِلَ عَملُه مَا كان مِنه ، وإِنْ لم يأتِ بولايتِهِ لا يُقبَلُ من عملِه شيء ، ثم يُؤمَر به إلى النار .

يا بن عباس ، والذي بَعثني بالحقِّ نَبيّاً ، إن النار لأشدّ غَضباً على مُبغِضِ علي مِنها على مَن زَعِم أنَّ للهِ وَلَداً .

يا بن عباس ، لو أن الملائكة المُقرَّبين ، والأنبياء والمرسلين ، اجتمعوا على بغض علي بن أبي طالب مع ما يقع من عبادتهم في السماوات لَعذَّبَهُم اللهُ تعالى في النار ) .

قلت : يا رسول الله ، وهل يبغضه أحد ؟

قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( يا بن عباس ، نعم ، يبغضه قوم يُذكَر أنَّهم من أمَّتي ، لم يجعل الله لهم في الإسلام نصيباً .

يا ابن عباس ، إنَّ من علامة بُغضِهم له تَفضِيلهُم لِمَن هو دُونَه عَليه ، والذي بعثني بالحقِّ نبيّاً ما بعثَ اللهُ نبيّاً أكرمُ عليه مِنِّي ، ولا وصيّاً أكرمُ عليه من وَصيي عَلَيَّ ) .

ثم قال ابن عباس : فلم أزَلْ له – لعلي ( عليه السلام ) – كما أمرني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وأوصاني بمودته ، وإنه لأكبر عَملي عندي .

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

ولد الحسن المجتبى (ع) في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك في السنة الثالثة من الهجرة النبوية في مدينة الرسول (ص) المنورة، وحينما ولد تصدى الرسول (ص) بنفسه بإجراء سنن الولادة عليه فأذن وأقام في أذنيه وسراه وألباه بريقه وضمه إلى صدره ثم رفع يديه بالدعاء قائلا: "اللهم إني أعيذه وذريته من الشيطان الرجيم…". ثم سماه "الحسن" وأخبر أن الله عز وجل قد سماه بذلك.

اسمه وكنيته ونسبه(عليه السلام)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

ألقابه(عليه السلام)

المجتبى، التقي، الزكي، السبط، الطيّب، السيّد، الولي… وأشهرها المجتبى.

تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها

15 شهر رمضان 3ﻫ، المدينة المنوّرة.

أُمّه(عليه السلام) وزوجته

أُمّه السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وزوجته السيّدة خولة بنت منظور الفزارية، وله زوجات أُخر.

مدّة عمره(عليه السلام) وإمامته

عمره 47 سنة، وإمامته 10 سنوات.

شباهته برسول الله(صلى الله عليه وآله)

قال أنس بن مالك: لم يكن أحدٌ أشبه برسول الله(صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علي وفاطمة(عليهم السلام)(1).

وكانت السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) ترقّصه وتقول:

أشبه أباك يا حسن ** واخلع عن الحقّ الرسن

وأعبد إلهاً ذا منن ** ولا توالي ذا الإحن(2).

وقال أبو بكر ابن أبي قحافة وهو حامله على عاتقه:

بأبي شبيه بالنبي ** غير شبيه بعلي(3).

تسميته(عليه السلام)

لمّا ولدت السيّدة فاطمة الإمام الحسن(صلى الله عليه وآله)، قالت لعلي(عليه السلام): «سمّه»، فقال الإمام(عليه السلام): «ما كنت لأسبق باسمه رسول الله(صلى الله عليه وآله)».

فلمّا جاء النبي(صلى الله عليه وآله) قال لعلي(عليه السلام): «هل سمّيته»؟ فقال: «ما كنت لأسبقك باسمه»؟ فقال(صلى الله عليه وآله): «ما كنت لأسبق باسمه ربّي عزّ وجلّ»، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرائيل أنّه قد ولد لمحمّد ابن فاهبط وأقرئه السلام وهنّئه، وقل له: إنّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمّه باسم ابن هارون، فهبط جبرائيل(عليه السلام) فهنّأه من الله عزّ وجلّ، ثمّ قال: «إنّ الله عزّ وجلّ يأمرك أن تسمّيه باسم ابن هارون».

قال: «وما كان اسمه»؟ قال: «شبّر»، قال: «لساني عربي»، قال: «سمّه الحسن»، فسمّاه الحسن(4)، ولم يكن يُعرف هذا الاسم في الجاهلية.

مراسيم ولادته(عليه السلام)

جاء النبي(صلى الله عليه وآله)، فأُخرج إليه، فقال(صلى الله عليه وآله): «اللّهمّ إنّي أُعيذه بك وولده من الشيطان الرجيم»(5)، ثمّ أذّن(صلى الله عليه وآله) في أُذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وعقّ عنه قال: «بسم الله عقيقة عن الحسن»، وقال: «اللّهمّ عظمها بعظمه، ولحمها بلحمه، ودمها بدمه، وشعرها بشعره، اللّهمّ اجعلها وقاءً لمحمّد وآله»(6).

وحلق رأسه، وأمر أن يتصدّق بزنة شعره فضّة، فكان وزنه درهماً وشيئاً.

رؤيا أُمّ الفضل

قالت أُمّ الفضل ـ زوجة العباس بن عبد المطّلب ـ: قلت: يا رسول الله، رأيت في المنام كأنّ عضواً من أعضائك في بيتي، فقال(صلى الله عليه وآله): «تلد فاطمة غلاماً إن شاء الله، فتكفلينه». فوضعت فاطمة الحسن، فدفعه إليها النبي فأرضعته بلبن قثم بن العباس(7).

كريم أهل البيت(عليهم السلام)

تعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميّز بها الإمام الحسن(عليه السلام)، فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان، أو إغاثة ملهوف، أو وفاء دين غريم، أو إشباع جوع جائع، وإلخ.

ومن هنا عُرف(عليه السلام) بكريم أهل البيت، فقد قاسم الله أمواله ثلاث مرّات، نصف يدفعه في سبيل الله ونصف يبقيه له، بل وصل إلى أبعد من ذلك، فقد أخرج ماله كلّه مرّتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيئاً، فهو كجدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، وهو سليل الأسرة التي قال فيها ربّنا وتعالى: )وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ((8).

وآية أُخرى تحكي لسان حالهم: )وَيُطْعِمُونَ الطّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيرا إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا((9).

وهو(عليه السلام) من الشجرة الطيّبة التي تؤتي أُكلها كلّ حين، فمن كريم طبعه(عليه السلام) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ويرى ذلّ المسألة في وجهه، بل يبادر إليه قبل المسألة فيعطيه.

من وصاياه(عليه السلام)

1ـ قال(عليه السلام): «المِزَاح يأكلُ الهيبة، وقَدْ أكثرَ مِن الهَيبةِ الصامت»(10).

2ـ قال(عليه السلام): «الفُرصَة سريعة الفوت بَطيئَةُ العَود»(11).

3ـ قال(عليه السلام): «عَلِّم الناس عِلمَك، وتَعلّم عِلم غَيرِك، فتكون قد أتقنتَ عِلمَك وعَلِمت مَا لَمْ تَعلَم»(12).

4ـ قال(عليه السلام): «القَريبُ مَن قرّبَتْه المَوَدّة وإن بَعُد نَسبُه، والبعيد من بَاعدَته المودّة وإن قرب نسبه، لا شيء أقرب مِن يَدٍ إلى جسد، وإنّ اليد تفل فتُقطع وتُحسم»(13).

5ـ قال(عليه السلام): «رَأسُ العقل مُعَاشَرة الناس بالجميل»(14).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

1. مسند أحمد 3/164.

2. مناقب آل أبي طالب 3/159.

3. صحيح البخاري 4/164.

4. الأمالي للصدوق: 198.

5. بحار الأنوار 43/256.

6. المصدر السابق 43/257.

7. المصدر السابق 43/242.

8. الحشر: 9.

9. الإنسان: 8ـ9.

10. بحار الأنوار 75/113.

11. المصدر السابق.

12. المصدر السابق 75/111.

13. المصدر السابق 75/106.

14. العقل والجهل في الكتاب والسنّة: 160.

بقلم : محمد أمين نجف

 

  

الوصية الأولى : لا تهرق محجمة دم

( هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي ، أوصى أنّه : يشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ، وأنّه يعبده حقّ عبادته ، لا شريك له في الملك ، ولا وليّ له من الذل ، وأنّه خلق كلّ شيء ، فقدّره تقديراً ، وأنّه أولى من عبد ، وأحقّ من حمد ، من أطاعه رشد ، ومن عصاه غوى ، ومن تاب إليه اهتدى .

فإنّي أوصيك يا حسين بمن خلّفت من أهلي وولدي وأهل بيتك : أن تصفح عن سيئهم ، وتقبل من محسنهم ، وتكون لهم خلفاً ووالداً .

وأن تدفنّي مع رسول الله فإنّي أحقّ به ، وببيته ممّن أدخل بيته بغير إذنه ، ولا كتاب جاءهم من بعده ، قال الله فيما أنزله على نبيّه في كتابه : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لكم ) ، فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه ، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته ، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده .

فإن أبت عليك المرأة ، فأنشدك بالله وبالقرابة التي قرّب الله عزّ وجلّ منك ، والرحم الماسّة من رسول الله : أن لا تهريق في محجمةٍ من دم ، حتّى نلقى رسول الله ، فنختصم إليه ، ونخبره بما كان من الناس إلينا من بعده ) .

الوصية الثانية : اصرفني إلى أمّي

( يا أخي ! إنّي أوصيك بوصيةٍ فاحفظها ، فإذا أنا متّ فهيّئني ، ثمّ وجّهني إلى رسول الله ، لأجدّد به عهداً ، ثمّ اصرفني إلى أمّي فاطمة ، ثمّ ردّني ، فادفنّي بالبقيع ، واعلم : أنّه سيصبني من الحمراء ما يعلم الناس صنيعها ، وعداوتها لله ولرسوله ، وعداوتها لنا أهل البيت .

يا أخي ! إنّ هذه آخر ثلاث مرّاتٍ سقيت فيها السمّ ، ولم أسقه مثل مرّتي هذه ، وأنا ميّت من يومي ، فإذا أنا متّ فادفنّي مع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فما أحد أولى بقربه منّي ، إلا أن تمنع من ذلك فلا تسفك فيه محجمة دم .

يا أخي ! إذا أنا متّ ، فغسّلني وحنّطني وكفّنّي ، واحملني إلى جدّي ( صلى الله عليه وآله ) ، حتّى تلحدني إلى جانبه ، فإن منعت من ذلك ، فبحقّ جدّك رسول الله ، وأبيك أمير المؤمنين ، وأمّك فاطمة الزهراء : أن لا تخاصم أحداً ، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع ، حتّى تدفنّي مع أمّي ) .

الوصية الثالثة : الحسين إمامك بعدي

لمّا حضرت الإمام الحسن ( عليه السلام ) الوفاة ، قال : ( يا قنبر : أنظر هل ترى وراء بابك مؤمناً من غير آل محمّد ) ، فقال : الله ورسوله وابن رسوله أعلم ، قال : ( امض فادع لي محمّد بن علي ) ، قال : فأتيته ، فلمّا دخلت عليه قال : هل حدث إلاّ خير ؟ قلت : أجب أبا محمّد ، فعجّل عن شسع نعله فلم يسوّه ، فخرج معي يعدو .

فلمّا قام بين يديه سلّم ، فقال له الحسن ( عليه السلام ) : ( اجلس فليس يغيب مثلك عن سماع كلامٍ يحيا به الأموات ، ويموت به الأحياء ، كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى ، فإنّ ضوء النهار بعضه اضوأ من بعض ، أما علمت أنّ الله عزّ وجلّ جعل ولد إبراهيم أئمّةً وفضّل بعضهم على بعض ، وآتى داود زبوراً ، وقد علمت بما استأثر الله محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) .

يا محمّد بن علي ! إنّي لا أخاف عليك الحسد ، وإنّما وصف الله تعالى به الكافرين فقال : ( كفّاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحقّ ) ، ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطاناً .

يا محمّد بن علي ، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك ( عليه السلام ) فيك ؟ ) قال : بلى .

قال : ( سمعت أباك يقول يوم البصرة : من أحبّ أن يبرّني في الدنيا والآخرة فليبر محمّداً .

يا محمد بن علي ! لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك .

يا محمد بن علي ! أما علمت : أنّ الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي ، إمام من بعدي ، وعند الله في الكتاب الماضي ، وراثة النبي أصابها في وراثة أبيه وأمّه ، علم الله أنّكم خير خلقه ، فاصطفى منكم محمّداً واختار محمّد عليّاً ، واختارني علي للإمامة ، واخترت أنا الحسين ) .

فقال له محمّد بن علي : أنت إمامي وسيدي ، وأنت وسيلتي إلى محمّد ، والله لوددت أنّ نفسي ذهبت قبل أن أسمع منك هذا الكلام ، ألا وإنّ في رأسي كلاماً لا تنزفه الدلاء ، ولا تغيّره بعد الرياح كالكتاب المعجم ، في الرقّ المنمنم ، أهمّ بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل ، وما جاءت به الرسل ، وإنّه لكلام يكلّ به لسان الناطق ، ويد الكاتب ولا يبلغ فضلك ، وكذلك يجزي الله المحسنين ولا قوّة إلاّ بالله .

الحسين أعلمنا علماً ، وأثقلنا حلماً ، أقربنا من رسول الله رحماً ، كان إماماً قبل أن يخلق ، وقرأ الوحي قبل أن ينطق ، ولو علم الله أنّ أحداً خير منّا ما اصطفى محمّداً ( صلى الله عليه وآله ) ، فلمّا اختار محمّداً ، واختار محمّد عليّاً إماماً ، واختارك علي بعده ، واخترت الحسين بعدك ، سلّمنا ورضينا بمن هو الرضا ، وبمن نسلم به من المشكلات .

الوصية الرابعة : الحسين خليفة بعدي

( أوصيك يا أخي بأهلي وولدي خيراً ، واتبع ما أوصى به جدّك وأبوك وأمّك عليهم أفضل الصلوات والسلام .

يا أخاه لا تحزن عليّ ، فإنّ مصابك أعظم من مصيبتي ورزءك أعظم من رزئي ، فإنّك تقتل – يا أبا عبد الله الحسين – بشطّ الفرات بأرض كربلا عطشاناً لهيفاً وحيداً فريداً مذبوحاً يعلو صدرك أشقى الأمّة ، ويحمحم فرسك ويقول في تحمحمه : الظليمة الظليمة من أمّةٍ قتلت ابن بنت نبيّها .

وتسبى حريمك وييتّم أطفالك ، ويسيّرون حريمك على الأقتاب بغير وطاءٍ ولا فراش ، ويحمل رأسك يا أخي على رأس القنا ، بعد أن تقتل ويقتل أنصارك ، فيا ليتني كنت عندك أذبّ عنك كما يذبّ عنك أنصارك بقتل الأعداء ، ولكنّ هذا الأمر يكون وأنت وحيد لا ناصر لك منّا ، ولكن لكلّ أجلٍ كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب ، فعليك يا أخي بالصبر على البلاء حتّى تلحق بنا ) .

ثمّ التفت إلى الحاضرين ، فقال : ( أيها الحاضرون ، اسمعوا وأنصتوا ما أقول لكم الآن ، هذا الحسين أخي إمام بعدي فلا إمام غيره ، ألا فليبلّغ الحاضر الغائب ، والوالد الولد ، والحرّ والعبد والذكر والأنثى ، وهو خليفتي عليكم لا أحد يخالفه منكم ، فمن خالفه كفر وأدخله الله النار وبئس القرار ، ونحن ريحانتا رسول الله ، وسيّدا شباب الله الجنّة ، فلعن الله من يتقدّم أو يقدّم علينا أحداً ، فيعذبه الله عذاباً أليما ، وإنّي ناصّ عليه كما نصّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، وكما نصّ أبي علي ، وهو الخليفة بعدي من الله ومن رسوله .

حفظكم الله ، أستودعكم الله ، الله خليفتي عليكم وكفى به خليفة ، وإنّي منصرف عنكم ولا حق بجدّي وأبي وأمّي وأعمامي ) .

الوصية الخامسة : لا تترك الجهاد

( يا ولدي يا قاسم ! أوصيك : أنّك إذا رأيت عمّك الحسين في كربلاء ، وقد أحاطت به الأعداء ، فلا تترك البراز والجهاد ، لأعداء الله وأعداء رسوله ، ولا تبخل عليه بروحك ، وكلّما نهاك عن البراز ، عاوده ليأذن لك في البراز ، لتحظى في السعادة الأبدية ) .

 

 

  

روي أنه ( عليه السلام ) وَجَد شاةً له قد كُسِرت رجلها ، فقال ( عليه السلام ) لِغُلامٍ له : ( مَنْ فَعَل هذا ؟ ) .

فقال الغلام : أنا .

فقال له ( عليه السلام ) : ( لِمَ ذلك ؟ ) .

فقال الغلام : لأجلبَ لَكَ الهَمَّ والغَمَّ .

فتبسَّم ( عليه السلام ) وقال له : ( لأُسِرُّك ، فأعتَقَه وأجزَلَ لهُ في العطاء ) .

وروي أن شامياً غَذَّاه معاوية بالحقد على أهل البيت ( عليهم السلام ) ، رأى الإمام ( عليه السلام ) راكباً ، فجعل يلعنه ، والحسن ( عليه السلام ) لا يردُّ عليه .

فلمَّا فرغ الرجل أقبل الإمام ( عليه السلام ) عليه ضاحِكاً وقال : ( أيها الشيخ ، أظنُّك غريباً ، ولعلَّك شُبِّهْتَ ؟ .

فلو استَعْتَبْتَنا أعتبناك ، ولو سَألتَنا أعطيناك ، ولو استرشَدْتَنا أرشدناك ، ولو استَحْملتَنَا أحملناك ، وإنْ كنتَ جائعاً أشبعناك .

وإن كنتَ عرياناً كَسَوناك ، وإن كنتَ مُحتاجاً أغنيناك ، وإن كنت طريداً آويناك ، وإن كانَ لك حاجة قضيناها لك .

فلو حَرَّكتَ رحلك إلينا ، وكنتَ ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعْوَد عليك ، لأنَّ لنا مَوضِعاً رحباً ، وجَاهاً عريضاً ، ومَالاً كثيراً ) .

فلما سمع الرجل كلامه بكى ، ثم قال : أشهد أنَّك خليفة الله في أرضه ، الله أعلمُ حيث يجعل رسالته ، كنتَ أنتَ وأبوك أبغضُ خَلقِ الله إليَّ ، والآن أنتَ وأبوكَ أحَبُّ خلقِ الله إليَّ .

ثم استضافه الإمام ( عليه السلام ) حتى وقت رحيله ، وقد تغيَّرت فكرته ، وعقيدته ، ومفاهيمه ، عن أهل البيت ( عليهم السلام ) .

وفي هذا التصرف منه ( عليه السلام ) درسٌ تربوي في كيفية التعامل مع الطرف الآخر ، حتى لو كان خصماً .

وهذا النحو من المعاملة مُستَفَادٌ من القرآن الكريم ، وذلك في قوله تعالى : ( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) فُصِّلت : 34 .

 

تعتبر صفة الكرم والسخاء من أبرز الصفات التي تميَّز بها الإمام الحسن ( عليه السلام ) ، فكان المال عنده غاية يسعى من خلالها إلى كسوة عريان ، أو إغاثة ملهوف ، أو وفاء دين غريم ، أو إشباع جوع جائع ، وإلخ .

هذا وعرف الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) بكريم أهل البيت ، فهو الذي قاسم الله أمواله ثلاث مرّات ، نصف يدفعه في سبيل الله ونصف يبقيه له ، بل وصل إلى أبعد من ذلك ، فقد أخرج ماله كلّه مرتين في سبيل الله ولا يبقي لنفسه شيء ، فهو كجدّه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يعطي عطاء من لا يخاف الفقر ، وهو سليل الأسرة التي قال فيها ربّنا وتعالى : ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) الحشر : 9 .

وآية أخرى تحكي لسان حالهم : ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وأسيرا إنما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا ) الإنسان : 8 ـ 9 .

فهذا هو الأصل الكريم لإمامنا الحسن ( عليه السلام ) الزكي من الشجرة الطيّبة التي تؤتي أُكلها كل حين ، فمن كريم طبعه ( عليه السلام ) أنّه لا ينتظر السائل حتّى يسأله ، ويرى ذل المسألة في وجهه ، بل يبادر إليه قبل المسألة فيعطيه .

نذكر بعض الشواهد لهذه الصفة المتميِّزة عند الإمام ( عليه السلام ) :

1ـ روي أنَّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) خرج مع أخيه الإمام الحسين ( عليه السلام ) وعبد الله بن جعفر ( رضوان الله عليه ) حُجَّاجاً ، فَجَاعوا وعطشوا في الطريق ، فمرّوا بعجوز في خباء لها ، فقالوا : ( هَلْ مِن شراب ) ؟

فقالت : نعم هذه شَاة احلبوها ، واشربوا لبنها ، ففعلوا ذلك ، ثمّ قالوا لها : ( هلْ مِن طَعَام ) ؟ فقالت : لا ، إلاّ هذه الشاة ، فليذبحها أحدكم حتَّى أُهيئ لكم شيئاً تأكلون .

فقام إليها أحدهم فذبَحَها وكشطها ، ثمّ هَيَّأت لهم طعاماً فأكلوا ، فلمّا ارتحلوا قالوا لها : ( نحن نَفَرٌ من قريش ، نريد هذا الوجه ، فإذَا رَجعنا سالمين فأَلِمِّي بنا فإنَّا صانعون إليكِ خيراً ) ، ثمّ ارتحلوا .

وأقبل زوجُها ، وأخبَرَتْه عن القوم والشاة ، فغضب الرجل وقال : وَيْحكِ ، تذبحين شاتي لأقوام لا تعرفينهم ، ثمّ تقولين : نَفَرٌ من قريش .

ثمّ بعد مدَّة أَلجَأَتْهُم الحاجة إلى دخول المدينة فدخلاها ، فمرَّت العجوز في بعض سِكَك المدينة ، فإذا بالحسن ( عليه السلام ) على باب داره ، فَسَلَّمَت عليه ، فعرفها الإمام ( عليه السلام ) ، وأمر أن يُشتَرَى لها ألف شاة ، وتُعطَى ألف دينار .

وأرسل معها غلامه إلى أخيه الحسين ( عليه السلام ) ، فقال : ( بِكَمْ وصلك أخي الحسن ) ؟ فقالت : بألف شاة وألف دينار ، فأمر ( عليه السلام ) لها بمثل ذلك .

ثمّ بعثَ ( عليه السلام ) بها مع غلامه إلى عبد الله بن جعفر ، فقال : بكم وَصَلك الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ؟ فقالت : بألفي دينار وألفي شاة ، فأمر لها عبد الله بن جعفر بمثل ذلك ، فَرجِعَت العجوز إلى زوجها بذلك .

2ـ روي أنَّ رجلاً جاء إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) وسأله حاجة ، فقال ( عليه السلام ) له : ( يا هذا ، حَقّ سؤالك إيّاي يعظم لديَّ ، ومعرفتي بما يجب تكبر عليَّ ، ويدي تعجز عن نَيلك بما أنت أهله ، والكثير في ذات الله عزَّ وجلَّ قليل ، وما في ملكي وفاء بشكرك ، فإن قبلت منّي الميسور ، ورفعت عنِّي مؤونة الاحتيال والاهتمام ، لما أتكلَّفه من واجبك فعلت ) .

فقال : يا بن رسول الله ، أقبل القليل ، وأشكر العطية ، وأعذر على المنع ، فدعا الإمام ( عليه السلام ) بوكيله ، وجعل يحاسبه على نفقاته حتّى استقصاها ، فقال ( عليه السلام ) : ( هات الفاضل من الثلاثمِائة ألف درهم ) .

فأحضر خمسين ألفاً ، فقال ( عليه السلام ) : ( فما فُعِل بالخمسمِائة دينار ) ؟ قال : هي عندي ، فقال ( عليه السلام ) : ( أحضِرها ) ، فأحضرها ، فدفع ( عليه السلام ) الدراهم والدنانير إلى الرجل ، وقال : ( هَات من يَحملها ) .

فأتاهُ بِحمَّالين ، فدفع الإمام الحسن ( عليه السلام ) إليهم رداءه كأجور الحمل ، فقال له مواليه : والله ما عندنا درهم ، فقال ( عليه السلام ) : ( لِكَي أرجو أن يكون لي عند الله أجر عظيم ) .

3ـ روي أنّه ( عليه السلام ) اشترى بستاناً من قوم من الأنصار بأربعمِائة ألف ، فبلغه أنّهم احتاجوا ما في أيدي الناس ، فردَّه إليهم .

4ـ روي أنّه ( عليه السلام ) سمع رجلاً يسأل رَبَّه أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانصرف الإمام الحسن ( عليه السلام ) إلى منزله ، وبَعَثَ بها إليه .

5ـ روي أنّه قيل ذات مرّة للإمام ( عليه السلام ) : لأيِّ شيء لا نراك تردُّ سائلاً ؟ فقال ( عليه السلام ) : ( إنِّي للهِ سائل ، وفيه راغب ، وأنا أستحي أن أكون سائلاً ، وأَرُدُّ سائلاً ، وإنَّ الله عَوَّدني عادة ، أن يفيض نعمه عليّ ، وعَوَّدتُه أن أفيض نِعَمه على الناس ، فأخشى إن قطعت العادة أن يمنعني العادة ) .

6ـ روي أنّه جاء أعرابي يوماً سائلاً الإمام ( عليه السلام ) ، فقال ( عليه السلام ) : ( أعطُوه ما في الخَزَانة ) ، فَوُجِد فيها عشرون ألف دينار ، فدفعها ( عليه السلام ) إلى الأعرابي ، فقال الأعرابي : يا مولاي ، ألا تركتني أبوحُ بحاجتي ، وأنشر مِدحَتي .

فأنشأ الإمام ( عليه السلام ) يقول :

نَحنُ أُناسٌ نَوالُنا خضـل ** يرتع فيه الرجـاء والأمــل

تَجودُ قبل السؤال أنفسـنا ** خوفاً على ماء وجه مَن يَسَلُ

لو علم البحرُ فَضلَ نائلنا ** لغاصَ مِن بعد فيضِـهِ خَجَلُ

7ـ روي في ( شرح نهج البلاغة ) : أنّ الحسن ( عليه السلام ) أعطى شاعراً ، فقال له رجل من جُلَسَائه : سبحان الله ، أتُعطِي شاعراً يعصي الرحمن ، ويقول البهتان ؟!

فقال ( عليه السلام ) : ( يا عبد الله ، إنَّ خير ما بذلتَ من مالك ما وقيت به عرضك ، وإن من ابتِغاء الخير اتِّقاء الشر ) .

8ـ أتاه رَجُل يَطلب حاجَة وهو يَستَحيي مِن الحاضرين أن يفصح عنها ، فقال له الإمام ( عليه السلام ) : ( اكتب حاجتك في رقعة وارفعها إلينا ) ، فكتب الرجل حاجته ورفعها ، فضاعفها له الإمام مرّتين ، وأعطاه في تواضع كبير .

فقال له بعض الشاهدين ما كان أعظم بركة الرقعة عليه ، يا بن رسول الله ! فقال ( عليه السلام ) : ( بركتها إلينا أعظم حين جعلنا للمعروف أهلاً ، أما علمت : إنّ المعروف ما كان ابتداءً من غير مسألة ، فأمَّا مَن أعطيته بعد مسألة فإنّما أعطيته بما بذل لك من وجهه .

وعسى أن يكون بات ليلته متململاً أرقاً ، يميل بين اليأس والرجاء ليعلم بما يرجع من حاجته أبكآبة ردّ ، أم بسرور النجح ، فيأتيك وفرائصه ترعد ، وقلبه خائف يخفق ، فإن قضيت له حاجته فيما بذل من وجهه ، فإنّ ذلك أعظم ممّا ناله من معروفك ) .

9ـ تنازع رجلان ، أحدهما أموي يقول : قومي أسمح ، والآخر هاشمي يقول : بل قومي أسمح ، فقال أحدهما : فاسألْ أنت عشرة من قومك ، وأنا أسأل عشرة من قومي ، يريد أن يسأل كلٌّ عطاء عشرة من قومه ، فينظروا أيّ القومين أسخى وأسمح يداً ، ثمّ إذا عرفوا ذلك أرجع كلّ منهما الأموال إلى أهلها ، كلّ ذلك شريطة أن لا يخبرا من يسألاه بالأمر .

فانطلق صاحب بني أمية فسأل عشرة من قومه فأعطاه كلّ واحد منهم ألف درهم ، وانطلق صاحب بني هاشم إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) فأمر له بمائة وخمسين ألف درهم ، ثمّ أتى إلى الإمام الحسين ( عليه السلام ) فقال : ( هل بدأت بأحد قبلي ) ؟ قال : بدأت بالحسن ، قال : ( ما كنت أستطيع أن أزيد على سيّدي شيئاً ) ، فأعطاه مائة وخمسين ألفاً من الدراهم .

فجاء صاحب بني أمية يحمل عشرة آلاف درهم من عشرة أنفس ، وجاء صاحب بني هاشم يحمل ثلاثمائة ألف درهم من نفسَين ، فغضب صاحب بني أمية ، حيث رأى فشله في مبادراته القبلية ، فردّ الأوّل حسب الشرط ما كان قد أخذه من بني أمية فقبلوه فَرحِين ، وجاء صاحب بني هاشم إلى الإمام الحسن والحسين ( عليهما السلام ) يردّ عليهما أموالهما فأبيا أن يقبلاهما قائلين : ( ما نبالي أخذتها أم ألقيتها في الطريق ) .

من هذه القصص وغيرها الكثير يتّضح لنا كيفية تعامل الإمام الحسن وأهل البيت ( عليهم السلام ) مع المال ، فهم بتوكّلهم على الله حقّ التوكّل ، يعطوا عطاء من لا يخاف الفقر ، لأنّ الشيطان عندما يرى المؤمن يريد العطاء يوسوس له ويظهر له قيود كثيرة حتّى لا يبذل المال ، يقول تعالى : ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) البقرة : 268 .

 

يتميّز الأئمّة ( عليهم السلام ) بارتباطٍ خاصٍّ بالله تعالى وعالَم الغيب ، بسبَبِ مقامِ العصمة والإمامة ، ولَهُم – مثل الأنبياء – معاجزٌ وكرامَاتٌ تؤيِّد ارتباطهم بالله تعالى ، وكونَهم أئمّة .

وللإمام الحسن ( عليه السلام ) معاجزٌ وكراماتٌ كثيرةٌ ، سجَّلَتْها كتبُ التاريخ ، ونذكر هنا بعضاً منها :

الكرامة الأولى :

عن محمّد بن إسحاق قال : إنّ أبا سفيان جاء إلى المدينة ليأخذ تجديد العهد من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فلم يقبل ، فجاء إلى الإمام علي ( عليه السلام ) قال : هل لابن عمك أن يكتب لنا أماناً ؟ .

فقال ( عليه السلام ) : ( إنَّ النَّبيَّ ( صلى الله عليه وآله ) عَزِم عَلى أمرٍ لا يَرجعُ فيهِ أبَداً ) .

وكان الحسن بن علي ( عليه السلام ) ابن أربعة عشر شهراً ، فقال بلسان عربي مبين : ( يَا ابنَ صَخر ، قُل : لا إِلَه إلاَّ الله ، مُحمَّد رَسولُ الله ، حتّى أكون لكَ شَفيعاً إلى جَدِّي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .

فتحيّر أبو سفيان ، فقال الإمام علي ( عليه السلام ) : ( الحَمدُ لله الذي جَعَل في ذريَّة محمّد نظير يحيى بن زكريا ) .

وكان الإمام الحسن ( عليه السلام ) يمشي في تلك الحالة .

الكرامة الثانية :

عن أبي أسامة عن الإمام الصادق عن آبائه ( عليهم السلام ) : أنّ الإمام الحسن ( عليه السلام ) خرج إلى مكّة ماشياً من المدينة ، فتوَّرمت قدماه ، فقيل له : لو ركبت لَسَكن عنك هذا الورم .

فقال ( عليه السلام ) : ( كلاَّ ، ولكنَّا إذا أتَينَا المنزلَ فإنَّه يَستقبلنا أسودٌ مَعه دِهن يَصلحُ لهذا الوَرَم ، فاشتَروا مِنه ولا تُماكِسوه ) .

فقال له بعض مواليه : ليس أمامنا منزل فيه أحد يبيع مثل هذا الدواء ، فقال : ( عليه السلام ) : ( بَلى ، إنَّه أمَامَنا ) .

وساروا أميالاً ، فإذا الأسود قد استقبلهم ، فقال الإمام الحسن ( عليه السلام ) لمولاه : ( دونَكَ الأسوَد ، فخذ الدهن منه بثمنه ) .

فقال الأسود : لمَن تأخُذ هَذا الدهن ؟ فقال : للحسن بن علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، قال انطلق بي إليه .

فصار الأسود إليه ، فقال : يا ابن رسول الله ، إنّي مولاك لا آخذ له ثمناً ، ولكن ادعُ الله أن يرزقني ولداً سويّاً ذكراً ، يحبّكم أهل البيت ، فإنّي خلّفت امرأتي تمخض ، فقال الإمام الحسن ( عليه السلام ) : ( انطلقْ إلى مَنزِلِك فإنّ الله تعالى قد وَهَب لَكَ ولداً ذكراً سويّاً ) .

فرجع الأسود من فوره ، فإذا امرأته قد ولدت غلاماً سوياً ، ثمّ رجع الأسود إلى الإمام الحسن ( عليه السلام ) ودعا له بالخير بولادة الغلام له ، وإنّه ( عليه السلام ) قد مسح رجليه بذلك الدهن ، فما قام من موضعه حتّى زال الورم .

الكرامة الثالثة :

ما روي أن فاطمة ( عليها السلام ) أتت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) تبكي وتقول : ( إنَّ الحَسَن والحُسَين ( عليهما السلام ) خَرَجا ولا أدري أين هُمَا ) .

فقال ( صلى الله عليه وآله ) : ( طِيبي نفساً ، فَهُمَا في ضَمَان الله حيثُ كانا ) .

فنزل جبرئيل وقال : ( هُما نائمان في حَائط بني النجار متعانقين ، وقد بعث الله مَلَكاً قد بَسَط جناحاً تحتهما وجناحاً فوقهما ) .

فخرج رسولُ الله وأصحابه معه ، فرأوهما ، وحَيَّة كالحلقة حولهما ، فأخذهما رسول الله على منكبيه ، فقالوا : نحملهما عنك ، قال ( صلى الله عليه وآله ) : ( نَعَم المطية مطيَّتهما ، ونعم الراكبان هُمَا ، وأبوهُما خَيرٌ منهما ) .

الكرامة الرابعة :

روي عن الإمام الصادق عن آبائه ( عليهم السلام ) : أنّ الحسن ( عليه السلام ) قال لأهل بيته : ( إنِّي أموتُ بالسّم كَمَا ماتَ رَسولُ الله ( صلى الله عليه وآله ) ) .

فقالوا : ومن يفعل ذلك ؟ قال ( عليه السلام ) : ( امْرأتي جُعدَة بنت الأشْعَثْ بن قَيس ، فإنَّ معاوية يَدُسّ إليها ويأمرها بذَلك ) .

قالوا أخرجها من منزلك وباعدها من نفسك ، قال ( عليه السلام ) : ( كَيف أُخرجُها ولم تَفعلْ بعد شَيئاً ، ولو أخرَجتُها مَا قَتَلني غَيرها ، وكانَ لَهَا عُذر عندَ الناس ) .

فما ذهبت الأيّام حتّى بعث إليها معاوية مالاً جسيماً ، وجعل يمنّيها بأن يعطيها مِائة ألف درهم أيضاً ويزوّجها من يزيد ، وحمل إليها شربة سم لتسقيها الإمام الحسن ( عليه السلام ) .

فانصرف ( عليه السلام ) إلى منزله وهو صائم ، فأخرجت له وقت الإفطار – وكان يوماً حاراً – شربة لبن ، وقد ألقت فيها ذلك السم ، فشربها ( عليه السلام ) وقال : ( يَا عَدوَّةَ الله قَتَلتِيني قَتَلكِ اللهُ ، واللهِ لا تُصيبِينَ مِنِّي خَلَفاً ، ولقد غَرَّكِ وسَخَّرَ منكِ ، واللهِ يُخزيكِ ويُخزيه ) .

فمكث ( عليه السلام ) يومين ثمّ مضى ، فغدر معاوية بها ولم يفِ لها بما عاهد عليه .