Skip to content

Archive

Archive for July, 2010

 

( تهنئة )

نتقدم بأسمى آيات التهاني والتبريكــات المشبعة بعطر الزهور ونفح البخــور لنبي الرحمة (ص) وأمير المؤمنين عليه السلام وسيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام وسبطي الرحمة عليهما السلام والتسعة المعصومين من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله و لكافة الامة الاسلامية الموالية ..
كما نهنئ علامائنا الاجلاء ومشايخنا الافاضل بهذه المناسبة العظيمة التي اشعلت الأنوار وازهرت بها السماء والارض وخمدت نيران الجنان ببزوغ الانوار المهدوية لمولانا الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف ، سائلين المولى العلي القدير ان يعجل فرجه وظهوره صلوات الله عليه وعلى آبائه حتى تنجلي تلك الظلمات ويملأ الارض قسطاً وعدلا كما ملأت ظلماً وجورا ..
ولد أبو القاسم محمد بن الحسن، مهدي هذه الأمة وأملها المرتجى الذي يحيي الله به الحق والعدل ويعيد إلى الأمة حريتها وكرامتها ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. ولد في سنة 255 للهجرة في سامراء ولم يولد لأبيه مولود غيره، وذلك قبل أن تصل الخلافة إلى المهتدي العباسي بشهر تقريباً وتوفى والده (ع) وله من العمر خمس سنوات فأتاه الله الحكمة وجعله آية للعالمين وإماماً للمسلمين، كما جعل عيسى بن مريم وهو في المهد نبياً

متباركـين

تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها

15 شعبان 255ﻫ، مدينة سامرّاء، العراق.

ليلة ولادته(عليه السلام)

قالت السيّدة حكيمة ـ بنت الإمام الجواد وأُخت الإمام الهادي وعمّة الإمام العسكري(عليهم السلام) ـ: دخلت يوماً على أبي محمّد(عليه السلام)، فقال: «يا عمّة بيتي عندنا الليلة، فإنّ الله سيظهر الخلف فيها».

قلت: وممّن؟ قال: «من نرجس»، قلت: فلست أرى بنرجس حملاً؟ قال: «يا عمّة إنّ مثلها كمثل أُمّ موسى لم يظهر حملها بها إلّا وقت ولادتها».

فبتّ أنا وهي في بيت، فلمّا انتصف الليل صلّيت أنا وهي صلاة الليل، فقلت في نفسي: قد قرب الفجر ولم يظهر ما قال أبو محمّد، فناداني أبو محمّد(عليه السلام) من الحجرة: «لا تعجلي».

فرجعت إلى البيت خجلة، فاستقبلتني نرجس وهي ترتعد، فضممتها إلى صدري، وقرأت عليها «قل هو الله أحد» و«إنّا أنزلناه»، وآية الكرسي، فأجابني الخلف من بطنها يقرأ كقراءتي.

قالت: وأشرق نور في البيت، فنظرت فإذا الخلف تحتها ساجد لله تعالى إلى القبلة، فأخذته، فناداني أبو محمّد(عليه السلام) من الحجرة: «هلمّي بابني إليّ يا عمّة».

قالت: فأتيته به، فوضع لسانه في فيه وأجلسه على فخذه، وقال: «انطق يا بني بإذن الله»، فقال: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ، وصلّى الله على محمّد المصطفى وعلي المرتضى وفاطمة الزهراء، والحسن والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ أبي».

قالت السيّدة حكيمة: وغمرتنا طيور خضر، فنظر أبو محمّد إلى طائر منها فدعاه، فقال له: «خذه واحفظه حتّى يأذن الله فيه، فإنّ الله بالغ أمره».

قالت السيّدة حكيمة: قلت لأبي محمّد: ما هذا الطائر، وما هذه الطيور؟ قال: «هذا جبرئيل، وهذه ملائكة الرحمة».

ثمّ قال: «يا عمّة ردّيه إلى أُمّه كي تقرّ عينها ولا تحزن، ولتعلم أنّ وعد الله حقّ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون»، فرددته إلى أُمّه.

قالت السيّدة حكيمة: ولمّا ولد كان نظيفاً مفروغاً منه، وعلى ذراعه الأيمن مكتوب: )جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً((1).

الحكمة الإلهية

اقتضت الحكمة الإلهية إخفاء ولادة هذا الوليد الجديد عن أعيُن العامّة – كما اقتضت من قبل إخفاء حمل وولادة النبيّ موسى(عليه السلام) – ليسلم من أذى ومُطاردة الحكّام الظالمين.

كما اقتضت الحكمة الإلهية تغيّبه عن الناس – إلّا الخواص من شيعته – وجعل السفراء الأربعة لمدّة سبعين أو أكثر؛ لربط الأُمّة به تمهيداً للغيبة الكبرى التي لا يُعلم مقدارها، حتّى يعود لنا ذلك النور الإلهي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن مُلئت ظلماً وجوراً، وتلك هي حكمة الله البالغة في عباده.

اتّفاق المسلمين عليه

إنّ جميع المسلمين متّفقون على خروج الإمام المهدي(عليه السلام) في آخر الزمان، وأنّه من ولد علي وفاطمة(عليهما السلام)، وأنّ اسمه كاسم النبيّ(صلى الله عليه وآله)، والأخبار في ذلك متواترة عند الشيعة والسُنّة، إلّا أنّهم اختلفوا في أنّه هل وُلد أم سيُولد؟

فالشيعة وجماعة من علماء أهل السنّة على أنّه مولود، وأنّه محمّد بن الحسن العسكري(عليهما السلام)، وأكثر أهل السنّة على أنّه لم يُولد بعد وسيُولد، والحقّ هو القول الأوّل.

الأدلّة على ولادته(عليه السلام)

أوّلاً: كثرة الأحاديث الواردة في ذلك:

ألف ـ الأحاديث المتواترة عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) ـ من الإمام أمير المؤمنين علي إلى الإمام الحسن العسكري ـ تؤكّد وتشخّص ملامح شخصيته.

ب ـ لقد أخبر الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الكثير من أصحابه بأنّ له ولداً، وأنّه سمّاه محمّداً، ونصّ أنّه مهديّ هذه الأُمّة الموعود في آخر الزمان.

فقد روي عن أبي هاشم الجعفري قال: «قلت لأبي محمّد(عليه السلام): جلالتك تمنعني من مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ فقال: "سل"، قلت: يا سيّدي، هل لك ولد؟ فقال: "نعم".

فقلت: فإن حدث بك حدث فأين اسأل عنه؟ قال: "بالمدينة"»(2).

وعن محمّد بن عليّ بن بلال قال: «خرج إليَّ من أبي محمّد قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثمّ خرج إليَّ من قبل مضيه بثلاثة أيّام يخبرني بالخلف من بعده»(3).

وعن مهران القلانسي قال: «قلت للعمري: قد مضى أبو محمّد؟ فقال لي: قد مضى، ولكن خلّف فيكم من رقبته مثل هذه، وأشار بيده»(4).

وعن عبد الله بن جعفر الحميري قال: «قلت لمحمّد بن عثمان العمري: إنّي أسألك سؤال إبراهيم ربّه جلّ جلاله حين قال: )رَبِّ أَرِني كَيفَ تُحْيي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلكِن لِيَطْمَئنّ قَلْبي(، فأخبرني عن صاحب هذا الأمر هل رأيته؟ قال: نعم، وله رقبه مثل ذي، وأشار بيده إلى عنقه»(5).

وهناك روايات أُخرى كثيرة صريحة برؤية السفراء الأربعة كلّ في زمان وكالته للإمام المهدي(عليه السلام)، وكثير منها بمحضر من الشيعة.

ثانياً: شهادة النساء:

ألف ـ فقد صرّحت القابلة بولادة ورؤية الإمام المهدي(عليه السلام) ليلة مولده، وهي قد تولّت أمر السيّدة نرجس(عليها السلام) أُمّ الإمام المهدي(عليه السلام)، وكان ذلك بأمرٍ وبإذنٍ من والده الإمام العسكري(عليه السلام).

والقابلة هي السيّدة حكيمة بنت الإمام الجواد(عليه السلام) وأُخت الإمام عليّ الهادي(عليه السلام) وعمّة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، والسيّدة حكيمة امرأة جليلة صادقة تقية ورعة.

ب ـ المرأة العجوز التي أعانت السيّدة حكيمة في إجراء ولادة المولود الموعود(عليه السلام)، وفي أمرٍ كهذا لا يسمح أهل البيت(عليهم السلام) إلّا للنساء التقيّات المؤمنات.

ومن تجرؤ من النساء أن تقوم بإجراء هذه الولادة في عهد أحد أعتى الطغاة إلّا أن تكون ثقة أمينة.

ج ـ الخادمة التي رأت الإمام المنتظر(عليه السلام) مع إبراهيم بن عبدة النيشابوري.

ثالثاً: مَن شهد برؤيته(عليه السلام):

ألف ـ تمّ إحصاء مَن شاهد الإمام المهدي(عليه السلام) فبلغ ثلاثمئة وأربعة أشخاص.

ب ـ لقد شهد برؤية الإمام المهدي(عليه السلام) جمع كثير، سواء مَن كان منهم في زمن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، أو بعد وفاته(عليه السلام).

ولا يُعقل أن يتواطأ هذا العدد ويجتمع على الكذب، مع أنّهم من بلدان مختلفة. وها نحن نشير إلى أسماء بعض مَن رآه(عليه السلام) وكان وكيلاً للإمام العسكري(عليه السلام):

فمن بغداد: العمري، وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار.

ومن الكوفة: العاصمي.

ومن أهل الأهواز: محمّد بن إبراهيم بن مهزيار.

ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق.

ومن أهل همدان: محمّد بن صالح.

ومن أهل الري: البسامي، والأسدي «محمّد بن أبي عبد الله الكوفي».

ومن أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء.

ومن أهل نيسابور: محمّد بن شاذان.

ومَن رآه(عليه السلام) ولم يكن وكيلاً للإمام العسكري(عليه السلام).

فمن أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حُليس، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي، وهارون القزّاز، والنيلي، وأبو القاسم بن دبيس، وأبو عبد الله بن فروخ، ومسرور الطبّاخ مولى أبي الحسن(عليه السلام)، وأحمد ومحمّد ابنا الحسن، وإسحاق الكاتب من بني نوبخت، وغيرهم.

ومن همدان: محمّد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمّد بن هارون بن عمران.

ومن الدينور: حسن بن هارون، وأحمد بن أُخية، وأبو الحسن.

ومن إصفهان: ابن باشاذالة.

ومن الصيمرة: زيدان.

ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمّد بن محمّد، وعليّ بن محمّد بن إسحاق وأبوه، والحسن بن يعقوب.

ومن أهل الري: القاسم بن موسى وابنه، وأبو محمّد بن هارون، وعليّ بن محمّد، ومحمّد بن محمّد الكليني، وأبو جعفر الرفّاء.

ومن قزوين: مرداس، وعليّ بن أحمد.

ومن نيسابور: محمّد بن شعيب بن صالح.

ومن اليمن: الفضل بن يزيد، والحسن بن الفضل بن يزيد، والجعفري، وابن الأعجمي، وعليّ بن محمّد الشمشاطي.

ومن مصر: أبو رجاء، وغيره.

ومن نصيبين: أبو محمّد الحسن بن الوجناء النصيبي.

كما ذُكر أيضاً مَن رأوه(عليه السلام) من أهل شهرزور، والصيمرة، وفارس، وقابس، ومرو.

رابعاً: النقل التاريخي:

لقد اتّفق الكثير من العلماء ومن المحدّثين ـ من أقطار متفرّقة ـ على تثبيت تاريخ ولادته الشريفة، كالمالكي والشافعي والحنفي والحنبلي. إضافة إلى اتّفاق الشيعة الإمامية كلّهم على مولده الشريف(عليه السلام). وفي كلّ هذا يكون التواطؤ على الكذب محالاً.

ولا بأس بذكر بعض الاعترافات التي ذكرها بعض أعلام السنّة بأقلامهم بولادة الإمام المهدي(عليه السلام):

1ـ ابن الأثير الجزري (ت 630ﻫ)، قال في كتابه (الكامل في التاريخ) في حوادث سنة (260ﻫ): «وفيها تُوفّي أبو محمّد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمّة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمّد الذي يعتقدونه المنتظر».

2ـ ابن خلكان (ت 681ﻫ)، قال في (وفيات الأعيان): «أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجّة… كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين». ثمّ نقل عن المؤرّخ الرحّالة ابن الأزرق الفارقي (ت 577ﻫ) أنّه قال في تاريخ ميافارقين: «إنّ الحجّة المذكور ولد تاسع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومئتين، وقيل: في ثامن شعبان سنة ستّ وخمسين، وهو الأصح».

3ـ الذهبي (ت 748ﻫ) اعترف بولادته(عليه السلام) في ثلاثة من كتبه، ولم نتتبّع كتبه الأُخرى.

قال في كتابه (العبر): «وفيها ـ أي: في سنة 256ﻫ ـ ولد محمّد بن الحسن بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلوي الحسيني، أبو القاسم، الذي تلقّبه الرافضة الخلف الحجّة، وتلقّبه بالمهدي والمنتظر، وتلقّبه بصاحب الزمان، وهو خاتمة الاثني عشر».

وقال في تاريخ (دول الإسلام) في ترجمة الإمام الحسن العسكري: «الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا بن موسى بن جعفر الصادق، أبو محمّد الهاشمي الحسيني، أحد أئمّة الشيعة الذي تدّعي الشيعة عصمتهم، ويُقال له: الحسن العسكري؛ لكونه سكن سامرّاء، فإنّها يُقال لها العسكر، وهو والد منتظر الرافضة، تُوفّي إلى رضوان الله بسامرّاء في ثامن ربيع الأوّل، سنة ستّين ومئتين، وله تسع وعشرون سنة، ودُفن إلى جانب والده.

وأمّا ابنه محمّد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجّة، فولد سنة ثمان وخمسين، وقيل سنة ستّ وخمسين».

وقال في (سير أعلام النبلاء): «المنتظر الشريف أبو القاسم محمّد بن الحسن العسكري بن عليّ الهادي بن محمّد الجواد بن عليّ الرضي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن زين العابدين عليّ بن الحسين الشهيد ابن الإمام عليّ بن أبي طالب، العلوي الحسيني، خاتمة الاثني عشر سيّداً».

4ـ ابن الوردي (ت 749ﻫ)، قال في ذيل تتمّة المختصر المعروف بـ (تاريخ ابن الوردي): «ولد محمّد بن الحسن الخالص، سنة خمس وخمسين ومئتين».

5ـ أحمد بن حجر الهيتمي الشافعي (ت 974ﻫ)، قال في كتابه (الصواعق المحرقة) في آخر الفصل الثالث من الباب الحادي عشر ما هذا نصّه: «أبو محمّد الحسن الخالص، وجعل ابن خلكان هذا هو العسكري، ولد سنة اثنتين وثلاثين ومئتين… مات بسُرّ مَن رأى، ودُفن عند أبيه وعمّه، وعمره ثمانية وعشرون سنة، ويُقال: إنّه سُمّ أيضاً، ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن أتاه الله فيها الحكمة، ويُسمّى القائم المنتظر، قيل: لأنّه سُتِرَ بالمدينة، وغاب فلم يُعرف أين ذهب».

6ـ الشبراوي الشافعي (ت 1171ﻫ)، صرّح في كتابه (الإتحاف) بولادة الإمام المهدي محمّد بن الحسن العسكري(عليهما السلام) في ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومئتين من الهجرة.

7ـ مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت 1308ﻫ)، اعترف في كتابه (نور الأبصار) باسم الإمام المهدي ونسبه الشريف الطاهر وكنيته وألقابه، في كلام طويل إلى أن قال: «وهو آخر الأئمّة الاثني عشر على ما ذهب إليه الإمامية»، ثمّ نقل عن تاريخ ابن الوردي ما تقدّم برقم 4.

8ـ خير الدين الزركلي (ت 1396ﻫ)، قال في كتابه (الأعلام) في ترجمة الإمام المهدي المنتظر: «محمّد بن الحسن العسكري الخالص بن عليّ الهادي أبو القاسم، آخر الأئمّة الاثني عشر عند الإمامية… ولد في سامرّاء، ومات أبوه وله من العمر خمس سنين… وقيل في تاريخ مولده: ليلة نصف شعبان سنة 552، وفي تاريخ غيبته: سنة 265ﻫ».

خامساً: مراقبة السلطة:

كانت حياة الإمام العسكري(عليه السلام) قد امتدّت في حكم ثلاثة من خلفاء الجور من بني العباس، هم: المعتز (ت 255ﻫ)، والمهتدي (ت 256ﻫ)، والمعتمد (ت 279ﻫ)، وكان المعتمد العبّاسي أشدّ أُولئك حسداً وبطشاً لأهل بيت النبوّة(عليهم السلام).

وعرف هؤلاء من أحاديث أهل البيت(عليهم السلام) وجود المهدي المنتظر(عليه السلام)، وأنّه من أولاد الإمام عليّ وفاطمة(عليهما السلام)، وأنّه الإمام الثاني عشر لأئمّة أهل بيت العصمة(عليهم السلام)، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.

ولكلّ ذلك بذل المعتمد جهده في المراقبة والبحث عنه لقتله؛ حتّى لا يُزال سلطانه وأمانه، ولذا قد أمر شرطته بخطوة خبيثة منه بعد قتل الإمام العسكري(عليه السلام)، بتفتيش دار الإمام العسكري(عليه السلام) تفتيشاً دقيقاً للعثور على الإمام المهدي(عليه السلام).

وحبس جواري الإمام العسكري(عليه السلام) واعتقل حلائله، وقد بثّ القابلات للبحث عمّن لديهنّ حمل، أو مراقبتهنّ لأمر الحمل، حتّى بقيت هنالك امرأة مراقبة لمدّة سنتين!.

لقد علم حكّام الجور بأن هذا الصبي سيدكّ مضاجعهم، وكان وجوده يهزّ عروشهم، على الرغم من أنّه(عليه السلام) لم يتجاوز الخامسة من عمره الشريف، بل لكونه الإمام الثاني عشر من أئمّة الهدى والحقّ، وقد أوضحت الأحاديث دوره(عليه السلام) في التصدّي للظلم والظالمين بكلّ وضوح.

سادساً: اعتراف أهل السنّة:

لقد ربت اعترافات أهل السنّة بولادته(عليه السلام) الميمونة على مئة اعتراف واضح في ذلك، وخصوصاً فقهائهم ومحدّثيهم ومفسّريهم ومؤرّخيهم ومحقّقيهم وأُدبائهم.

ولسنا بحاجة إلى ما يبيّن ولادة الإمام المهدي ويثبتها تاريخياً بعد أن عرفنا اتّفاق كلمة المسلمين على أنّه من أهل البيت، وأنّ ظهوره يكون في آخر الزمان.

وهذا يعني أنّ البحث عن ولادة الإمام المهدي وبيان ثبوتها شرعاً بحث غير طبيعي لولا وجود بعض الملابسات التاريخية حول ولادته(عليه السلام)، كادّعاء عمّه جعفر الكذّاب بعدم وجود خلفٍ لأخيه العسكري(عليه السلام).

وقيام السلطة الحاكمة بتسليم تركة الإمام العسكري بعد وفاته لأخيه جعفر الكذّاب أخذاً بادّعائه الباطل، فيما رواه علماء الشيعة الإمامية أنفسهم، ولم يروه غيرهم قطّ إلّا من طرقهم، وفي هذا وحده كفاية للمنصف المتدبّر، إذ كيف يروي الشيعة أمراً ويعتقدون بخلافه لو لم يثبت لهم زيف هذا الأمر وبطلانه؟!

ولأجل هذا نقول: إنّ ولادة أيّ إنسان في هذا الوجود تثبت بإقرار أبيه، وشهادة القابلة، وان لم يره أحد قطّ غيرهما، فكيف لو شهد المئات برؤيته، واعترف المؤرّخون بولادته، وصرّح علماء الأنساب بنسبه، وظهر على يديه ما عرفه المقرّبون إليه، وصدرت منه وصايا وتعليمات، ونصائح وإرشادات، ورسائل وتوجيهات، وأدعية وصلوات، وأقوال مشهورة، وكلمات مأثورة، وكان وكلاؤه معروفين، وسفراؤه معلومين، وأنصاره في كلّ عصر وجيل بالملايين.

اعترافات علماء الأنساب بولادته(عليه السلام)

لا شكّ في أنّ الرجوع إلى أصحاب كلّ فنّ ضرورة، والأولى بصدد ما نحن فيه هم علماء الأنساب، وإليك بعضهم:

1ـ النسّابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري من أعلام القرن الرابع الهجري، كان حيّاً سنة (341ﻫ)، وهو من أشهر علماء الأنساب المعاصرين لغيبة الإمام المهدي الصغرى التي انتهت سنة 329ﻫ.

قال في (سرّ السلسلة العلوية): «وولد عليّ بن محمّد التقي(عليه السلام): الحسن بن عليّ العسكري(عليه السلام)، من أُمّ ولد نوبية تُدعى ريحانة، وولد سنة إحدى وثلاثين ومئتين، وقُبض سنة ستّين ومئتين بسامرّاء، وهو ابن تسع وعشرين سنة… .

وولد عليّ بن محمّد التقي(عليه السلام) جعفراً، وهو الذي تسمّيه الإمامية جعفر الكذّاب؛ وإنّما تسمّيه الإمامية بذلك لادّعائه ميراث أخيه الحسن(عليه السلام) دون ابنه القائم الحجّة(عليه السلام) لا طعن في نسبه».

2ـ السيّد العمري النسّابة المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري، قال ما نصّه: «ومات أبو محمّد(عليه السلام) وولده من نرجس(عليها السلام) معلوم عند خاصّة أصحابه، وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحن المؤمنون بل كافّة الناس بغيبته، وشره جعفر بن عليّ إلى مال أخيه وحاله، فدفع أن يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه».

3ـ الفخر الرازي الشافعي (ت 606ﻫ)، قال في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب الطالبية) تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري(عليه السلام) ما هذا نصّه: «أمّا الحسن العسكري الإمام(عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمّا الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان(عجل الله تعالى فرجه الشريف)، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأمّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، وأُمّ موسى درجت أيضاً».

4ـ المروزي الأزورقاني (ت بعد سنة 614ﻫ)، فقد وصف في كتاب الفخري جعفر ابن الإمام الهادي في محاولته إنكار ولد أخيه بالكذّاب، وفيه أعظم دليل على اعتقاده بولادة الإمام المهدي.

5ـ السيّد النسّابة أحمد بن عليّ الحسيني المعروف بابن عنبة (ت 828ﻫ)، قال في (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): «أمّا علي الهادي فيلقّب العسكري؛ لمقامه بسُرّ مَن رأى، وكانت تُسمّى العسكر، وأُمّه أُمّ ولد، وكان في غاية الفضل ونهاية النبل، أشخصه المتوكّل إلى سُرّ مَن رأى، فأقام بها إلى أن تُوفّي، وأعقب من رجلين هما:

الإمام أبو محمّد الحسن العسكري(عليه السلام)، وكان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام محمّد المهدي صلوات الله عليه ثاني عشر الأئمّة عند الإمامية، وهو القائم المنتظر عندهم من أُمّ ولد اسمها نرجس.

واسم أخيه أبو عبد الله جعفر الملقّب بالكذّاب؛ لادعائه الإمامة بعد أخيه الحسن».

وقال في (الفصول الفخرية) ـ مطبوع باللغة الفارسية ـ ما ترجمته: «أبو محمّد الحسن الذي يُقال له العسكري، والعسكر هو سامرّاء، جلبه المتوكّل وأباه إلى سامرّاء من المدينة، واعتقلهما.

وهو الحادي عشر من الأئمّة الاثني عشر، وهو والد محمّد المهدي(عليه السلام) ثاني عشرهم».

6ـ النسّابة الزيدي السيّد أبو الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني، من أعيان القرن الحادي عشر.

ذكر في المشجّرة التي رسمها لبيان نسب أولاد أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر(عليهم السلام)، وتحت اسم الإمام عليّ التقي المعروف بالهادي(عليه السلام)، خمسة من البنين وهم: الإمام العسكري، الحسين، موسى، محمّد، علي.

وتحت اسم الإمام العسكري(عليه السلام) مباشرة كتب: «محمّد بن» وبإزائه: «منتظر الإمامية».

7ـ محمّد أمين السويدي (ت 1246ﻫ)، قال في (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب»: «محمّد المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة».

8ـ النسّابة المعاصر محمّد ويس الحيدري السوري، قال في (الدرر البهية في الأنساب الحيدرية والأويسية) في بيان أولاد الإمام الهادي(عليه السلام): «أعقب خمسة أولاد: محمّد وجعفر والحسين والإمام الحسن العسكري وعائشة، فالحسن العسكري أعقب محمّد المهدي صاحب السرداب».

ثمّ قال بعد ذلك مباشرة وتحت عنوان: الإمامان محمّد المهدي والحسن العسكري: «الإمام الحسن العسكري: ولد بالمدينة سنة 231ﻫ، وتُوفّي بسامرّاء سنة 260ﻫ، الإمام محمّد المهدي: لم يُذكر له ذرّية ولا أولاد له أبداً».

ثمّ علّق في هامش العبارة الأخيرة بما هذا نصّه: «ولد في النصف من شعبان سنة 255ﻫ، وأُمّه نرجس، وُصِفَ فقالوا عنه: ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخد، أقنى الأنف، أشم، أروع، كأنّه غصن بان، وكأنّ غرّته كوكب دريّ، في خدّه الأيمن خال كأنّه فتات مسك على بياض الفضّة، وله وفرة سمحاء تطالع شحمة أُذنه، ما رأت العيون أقصد منه، ولا أكثر حسناً وسكينةً وحياءً».

وبعد، فهذه هي أقوال علماء الأنساب في ولادة الإمام المهدي(عليه السلام)، وفيهم السنّي والزيدي إلى جانب الشيعي، وفي المثل: أهل مكّة أعرف بشعابها.

ــــــــــــــــــــــ

1. الخرائج والجرائح 1/455.

2و3. الكافي 1/328.

4. المصدر السابق 1/329.

5. كمال الدين وتمام النعمة: 435.

بقلم : محمد أمين نجف

 

تتويج من؟

بعد شهادة الإمام العسكري(عليه السلام) في 8 ربيع الأوّل 260ﻫ، توّج ابنه الإمام المهدي(عليه السلام) بتاج الخلافة والإمامة للمسلمين في 9 ربيع الأوّل 260ﻫ.

فرحة التتويج

تفرح الشيعة في مثل هذا اليوم، وتقيم الاحتفالات لهذا التتويج؛ وذلك لأنّه أوّل يوم من إمامة وخلافة منجي البشرية، وآخر الحجج لله على أرضه، وتأمل أن يعجّل الله تعالى فرج إمام زمانها الإمام المهدي المنتظر(عليه السلام) في أقرب وقت ممكن، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما بشّر بذلك جدُّه محمّد(صلى الله عليه وآله) في أحاديث متواترة، نقلتها كتب المسلمين سنّة وشيعة.

عمره(عليه السلام) عند التتويج

تسلّم الإمام المهدي(عليه السلام) مهام الإمامة وهو ابن خمس سنين، فهو بذلك يكون أصغر الأئمّة(عليهم السلام) سنّاً عند تولّيه الإمامة، وليس هذا بدعاً من الأُمور في تاريخ الأنبياء والرسل وأئمّة أهل البيت(عليهم السلام).

فقد سبق الإمام المهدي(عليه السلام) بعض أنبياء الله تعالى، كعيسى ويحيى(عليهما السلام) وفق نصّ القرآن الكريم بعمر ثمان سنين، وسبقه جدّه الإمام الهادي(عليه السلام) لتسلّم الإمامة وكان عمره ثمان سنين، وسبقه الإمام الجواد(عليه السلام) وعمره الشريف سبع أو تسع سنين.

فلا يؤثّر صغر السنّ في قابلية الإفاضة الربّانية على الشخص، ولذا نرى الذين ترجموا للإمام المهدي(عليه السلام) من علماء المذاهب الإسلامية قد اعتبروا تسلّمه للإمامة وهو في هذا السنّ ـ خمس سنين ـ أمراً عادياً في سيرة الأئمّة(عليهم السلام).

قال ابن حجر الهيثمّي الشافعي في ذيل ترجمته للإمام الحسن العسكري(عليه السلام): «ولم يخلّف ـ الإمام العسكري ـ غير ولده أبي القاسم محمّد الحجّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة»(1).

وقال الشيخ عبد الرحمن الجامي الحنفي في مرآة الأسرار، في ترجمة الإمام المهدي(عليه السلام): «وكان عمره عند وفاة والده الإمام الحسن العسكري خمس سنين، وجلس على مسند الإمامة، وكما أعطى الحق تعالى يحيى بن زكريا الحكمة والكرامة في حال الطفولية، وأوصل عيسى بن مريم إلى المرتبة العالية في زمن الصبا، كذلك هو في صغر السنّ، جعله الله إماماً، وخوارق العادات الظاهرة له ليست قليلة بحيث يسعها هذا المختصر»(2).

ومن يلاحظ هذا الشيخ الأخير الجامي الحنفي يستند إلى تجارب الأنبياء السابقين(عليهم السلام) التي تنفي أن يستبعد أحد الإمامة عن الصغير مادام الإمام مخصوصاً ومسدّداً من الله تعالى في صغره بالكرامات فضلاً عن كبره، لا يمكن صدورها عن غير الإمام، وقد كان جملة منها في زمان إمامة أبيه(عليه السلام)، وبعضها الآخر في زمان إمامته(عليه السلام).

وكان أوّل مهامه بعد تسلّمه الإمامة الصلاة على أبيه الإمام العسكري(عليه السلام) في داره، وقبل إخراج جسده الطاهر إلى الصلاة الرسمية التي خطّطتها السلطة الجائرة آنذاك، وكان ذلك أمراً مهمّاً في إثبات إمامته المباركة، حيث لا يصلّي على الإمام المعصوم إلّا الإمام المعصوم.

مستحبّات هذا اليوم

يستحبّ في هذا اليوم الإنفاق والإطعام، والتوسعة في نفقة العيال، فقد روي أنّه من أنفق في اليوم شيئاً غفر الله له ذنوبه، ويستحب لبس الجديد والشكر والعبادة، وهو يوم نفي الهموم والغموم والأحزان.

الغيبة الصغرى وفائدته(عليه السلام) في الغيبة

وفي مثل هذا اليوم غاب الإمام المهدي(عليه السلام) عن أنظار الناس، وبدأت بغيابه الغيبة الصغرى التي استمرت سبعين عاماً. وهنا لا بأس أن نبيّن فائدة الإمام المهدي(عليه السلام) في زمن الغيبة.

لاشكّ ولا ريب أنّ الإمام المهدي(عليه السلام) حجّة الله تعالى على الخلق، بمعنى أنّ الله تعالى يحتجّ به على عباده يوم القيامة، وعليه فالحجّية مهمّة من مهام الإمام ووظائفه.

فغيابه(عليه السلام) عن أنظار الخلق ـ بمعنى أنّ الخلق لا يراه بينما هو يراهم ـ لا يضرّ على هذا المعنى من الحجّية، فهو ناظر إلى أعمالنا، ومطّلع عليها.

وإن قلنا: إنّ معنى الحجّية هو الالتزام بأقوال الإمام(عليه السلام) وأوامره ونواهيه والعمل عليها، فغيابه(عليه السلام) أيضاً لا يضرّ، إذ يكفي في صحّة إطلاق الحجّية بهذا المعنى هو التزام المؤمن بأنّه إذا صدر أمر أو نهي من الإمام سوف يطبّقه ويسير على نهجه، سواء صدر ذلك فعلاً أو لم يصدر، كما في زمن الغيبة.

علماً أنّ وجود الإمام(عليه السلام) لا يقتصر على الحجّية، بل له مهام وفوائد ووظائف أُخرى كثيرة جدّاً، بحيث يكون الانتفاع به كالشمس إذا غيّبتها السحاب، كما ورد ذلك في روايات أهل البيت(عليهم السلام).

فقد سُئل النبي(صلى الله عليه وآله) عن كيفية الانتفاع بالإمام المهدي(عليه السلام) في غيبته فقال: «إي والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب»(3).

وروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال ـ بعد أن سُئل عن كيفية انتفاع الناس بالحجّة الغائب المستور ـ: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(4).

وروي أنّه خرج من الناحية المقدّسة إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمّد بن عثمان: «وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب»(5).

فيمكن أن يقال: إنّ الشبه بين مهدي هذه الأُمّة، وبين الشمس المجلّلة بالسحاب من عدّة وجوه:

1ـ المهدي(عليه السلام) كالشمس في عموم النفع، فنور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسّطه.

2ـ إنّ منكر وجود المهدي(عليه السلام) كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار.

3ـ إنّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلّ آن انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيّام غيبته(عليه السلام)، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلّ وقت وزمان، ولا ييأسون منه.

4ـ إنّ الشمس قد تخرج من السحاب على البعض دون الآخر، فكذلك يمكن أن يظهر في غيبته لبعض الخلق دون البعض.

5ـ إنّ شعاع الشمس يدخل البيوت بقدر ما فيها من النوافذ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك الخلق إنّما ينتفعون بأنوار هدايته بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسّهم ومشاعرهم، من الشهوات النفسية والعلائق الجسمانية، والالتزام بأوامر الله والتجنّب عن معاصيه، إلى أن ينتهي الأمر حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.

ـــــــــــــــــــــــــــ

1ـ الصواعق المحرقة: 208.

2ـ أعيان الشيعة 2/69.

3ـ كمال الدين وتمام النعمة: 253.

4ـ المصدر السابق: 207.

5ـ المصدر السابق: 485.

بقلم : محمد أمين نجف

 

انتهاء الغيبة الصغرى

كان الناس خلال الغيبة الصغرى للإمام المهدي(عليه السلام) يأخذون الأحكام الشرعية عن طريق سفرائه الأربع، وهم: عثمان بن سعيد، محمّد بن عثمان، الحسين بن روح، علي بن محمّد السمري. وقد انتهت الغيبة الصغرى بوفاة السفير الرابع عام 329ﻫ.

ابتداء الغيبة الكبرى

بعد وفاة السفير الرابع للإمام المهدي(عليه السلام) ابتدأت الغيبة الكبرى له(عليه السلام) في 4 شوال 329ﻫ.

نوّاب الإمام المهدي(عليه السلام) في الغيبة الكبرى

جاء في أحد التوقيعات التي وصلتنا عن الإمام المهدي(عليه السلام): «أمّا الحَوَادِث الواقِعَة، فَارجعُوا فِيهَا إلَى رُوَاةِ الحَديثِ؛ فَإنّهُم حُجّتِي عَلَيْكُم، وأنَا حُجّةُ اللهِ عَلَيْهِم».

وجاء في توقيعٍ آخر: «مَنَ كَانَ مِنَ الفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ حَافِظاً لِدِيْنِه مُخَالِفاً لِهَوَاه مُطِيعاً لأمْرِ مَولاه، فَلِلْعَوَامِ أنْ يُقَلِّدُوه».

وبناءً على ذلك فكلّ فقيه يحمل تلك الصفات فهو نائب للإمام المهدي(عليه السلام)، ترجع إليه الناس في جميع أحكامها الفقهية وإشكالاتها الشرعية.

أسباب الغيبة

إنّ غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام) كانت ضرورية لابدّ للإمام منها، نذكر لك بعض الأسباب التي حتمت غيابه(عليه السلام):

1ـ الخوف عليه من العبّاسيين

لقد أمعن العبّاسيون منذ حكمهم وتولّيهم لزمام السلطة، في ظلم العلويين وإرهاقهم، فصبّوا عليهم وابلاً من العذاب الأليم، وقتلوهم تحت كُلّ حجرٍ ومدرٍ، ولم يرعوا أيّة حرمة لرسول الله(صلى الله عليه وآله) في عترته وبنيه، ففرضوا الإقامة الجبرية على الإمام علي الهادي ونجله الإمام الحسن العسكري(عليهما السلام) في سامراء، وأحاطوهم بقوى مكثّفة من الأمن ـ رجالاً ونساءً ـ لأجل التعرّف على ولادة الإمام المنتظر(عليه السلام) لإلقاء القبض عليه وتصفيته جسدياً.

فقد أرعبتهم وملأت قلوبهم فزعاً ما تواترت به الأخبار عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وعن أوصيائه الأئمّة الطاهرين أنّ الإمام المنتظر هو آخر خلفاء رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأنّه هو الذي يقيم العدل وينشر الحقّ ويشيع الأمن والرخاء بين الناس، وهو الذي يقضي على جميع أنواع الظلم ويزيل حكم الظالمين، فلذا فرضوا الرقابة على أبيه وجدّه.

وبعد وفاة أبيه الحسن العسكري أحاطوا بدار الإمام(عليه السلام)، وألقوا القبض على بعض نساء الإمام الذين يُظنّ أو يشتبه في حملهنّ.

فهذا هو السبب الرئيسي في اختفاء الإمام(عليه السلام)، وعدم ظهوره للناس، فعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: «إنّ للقائم غيبة قبل ظهوره»، قلت: ولِم؟ فقال(عليه السلام): «يخاف»، وأومأ بيده إلى بطنه، قال رزارة: يعني القتل(1).

ويقول الشيخ الطوسي(قدس سره): «لا علّة تمنع من ظهوره(عليه السلام) إلّا خوفه على نفسه من القتل؛ لأنّه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار»(2).

2ـ الامتحان والاختبار

وثمّة سبب آخر علّل به غيبة الإمام(عليه السلام)، وهو امتحان العباد واختبارهم وتمحيصهم، فقد ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أمّا والله ليغيبنّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصنّ حتّى يقال: مات أو هلك، بأيّ وادٍ سلك، ولتدمعنّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيّده بروح منه»(3).

ولقد جرت سنّة الله تعالى في عباده امتحانهم، وابتلاءهم ليجزيهم بأحسن ما كانوا يعملون، قال تعالى: )الّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً((4)، وقال تعالى: )أَحَسِبَ النّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ((5).

وغيبة الإمام(عليه السلام) من موارد الامتحان، فلا يؤمن بها إلّا من خلص إيمانه وصفت نفسه، وصدّق بما جاء عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) والأئمّة الهداة المهديين من حجبه عن الناس، وغيبته مدّة غير محدّدة، أو أنّ ظهوره بيد الله تعالى وليس لأحدٍ من الخلق رأي في ذلك، وإنّ مثله كمثل الساعة فإنّها آتية لا ريب فيها.

3ـ الغيبة من أسرار الله تعالى

وعُلّلت غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام) بأنّها من أسرار الله تعالى التي لم يطّلع عليها أحد من الخلق، فقد ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إنّما مثله كمثل الساعة، ثقلت في السماوات والأرض، لا تأتيكم إلّا بغتة»(6).

4ـ عدم بيعته لظالم

ومن الأسباب التي ذكرت لاختفاء الإمام(عليه السلام) أن لا تكون في عنقه بيعة لظالم، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال عن أبيه، عن الإمام الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه»، قلت له: ولم ذلك يابن رسول الله؟ قال(عليه السلام): «لأنّ إمامهم يغيب عنهم»، فقلت: ولِمَ؟ قال: «لئلّا يكون في عنقه لأحدٍ بيعة إذا قام بالسيف»(7).

وأعلن الإمام المهدي(عليه السلام) ذلك بقوله: «إنّه لم يكن لأحد من آبائي(عليهم السلام) إلّا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي»(8).

هذه بعض الأسباب التي علّلت بها غيبة الإمام المنتظر(عليه السلام)، وأكبر الظنّ أنّ الله تعالى قد أخفى ظهور وليّه المصلح العظيم لأسبابٍ أُخرى أيضاً لا نعلمها إلّا بعد ظهوره(عليه السلام).

من آداب الغيبة

1ـ انتظار فرجه(عليه السلام) وظهوره، فقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أفضل أعمال أُمّتي انتظار الفرج»(9).

2ـ الدعاء بتعجيل فرجه، فقد ورد من الناحية المقدّسة على يد محمّد بن عثمان في آخر توقيعاته(عليه السلام): «وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ ذلك فرجكم»(10).

3ـ معرفة صفاته(عليه السلام) وآدابه، والمحتومات من علائم ظهوره.

4ـ مراعاة الأدب عند ذكره(عليه السلام)، بأن لا يذكره إلّا بألقابه الشريفة: كالحجّة والقائم، والمهدي، وصاحب الزمان، وصاحب الأمر، وغيرها. وترك التصريح باسمه الشريف، وهو اسم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وتكملة ذكره(عليه السلام) بقول: «عليه السلام»، أو «عجّل الله تعالى فرجه»، والقيام عند ذكر لقبه «القائم».

5ـ إظهار محبّته(عليه السلام) وتحبيبه إلى الناس.

6ـ إظهار الشوق إلى لقائه(عليه السلام) ورؤيته، والبكاء والإبكاء والتباكي والحزن على فراقه.

7ـ الدعاء والطلب من الله تعالى أن نكون من جنوده وأنصاره وأتباعه، ومن المقاتلين بين يديه، وأن يرزقنا الشهادة في دولته.

8ـ التصدّق عنه(عليه السلام) بقصد سلامته.

9ـ إقامة مجالس يذكر فيها فضائله(عليه السلام) ومناقبه، أو بذل المال في إقامتها، والحضور في هكذا مجالس، والسعي في ذكر فضائله ونشرها.

10ـ إنشاء الشعر وإنشاده في مدحه(عليه السلام)، أو بذل المال في ذلك.

11ـ إهداء ثواب الأعمال العبادية المستحبّة له(عليه السلام)، كالحجّ والطواف عنه(عليه السلام)، والصوم والصلاة، وزيارة مشاهد المعصومين(عليهم السلام)، أو بذل المال لنائب ينوب عنه في أداء تلك الأعمال.

12ـ زيارته(عليه السلام) وتجديد البيعة له(عليه السلام) بعد كلّ فريضة من الفرائض اليومية، أو في كلّ يوم جمعة، بما ورد عن الأئمّة(عليهم السلام) في ذلك.

13ـ تعظيم مواقفه(عليه السلام) ومشاهده، كمسجد السهلة، ومسجد الكوفة وغيرهما.

14ـ ترك توقيت ظهوره(عليه السلام)، وتكذيب الموقّتين، وتكذيب من ادّعى النيابة الخاصّة، والوكالة عنه(عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى.

جعلنا الله تعالى وإيّاكم من الممهّدين لدولته والمرضيين عنده.

ـــــــــــــــــــــ

1. علل الشرائع 1/246، كمال الدين وتمام النعمة: 481.

2. الغيبة للشيخ الطوسي: 329.

3. الإمامة والتبصرة: 125، الكافي 1/336، الأمالي للصدوق: 191.

4. الملك: 2.

5. العنكبوت: 2.

6. كفاية الأثر: 168 و250، ينابيع المودّة 3/310.

7. علل الشرائع 1/245، عيون أخبار الرضا 2/247.

8. كمال الدين وتمام النعمة: 485، الغيبة للشيخ الطوسي: 292.

9. الإمامة والتبصرة: 163، تحف العقول: 37، مناقب آل أبي طالب 3/527، مجمع الزوائد 10/147، ينابيع المودّة 3/397، الجامع الكبير 5/ 225.

10. كمال الدين وتمام النعمة: 485، الغيبة للشيخ الطوسي: 293، الاحتجاج 2/284.

بقلم : محمد أمين نجف