Skip to content

 

شهادة الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)

اسمه وكنيته ونسبه(عليه السلام)

الإمام أبو محمّد، الحسن بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

ألقابه(عليه السلام)

المجتبى، التقي، الزكي، السبط، الطيِّب، السيِّد، الولي… وأشهرها المجتبى.

تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها

15 شهر رمضان 3ﻫ، المدينة المنوّرة.

أُمّه(عليه السلام) وزوجته

أُمّه السيّدة فاطمة الزهراء(عليها السلام) بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وزوجته السيّدة خولة بنت منظور الفزارية، وله زوجات أُخر.

مُدّة عمره(عليه السلام) وإمامته

عمره 47 سنة، وإمامته 10 سنوات.

حروبه(عليه السلام)

شارك الإمام الحسن(عليه السلام) في فتوحات أفريقية وبلاد فارس ما بين سنة (25ـ30) للهجرة، واشترك في جميع حروب أبيه الإمام علي(عليه السلام)، وهي: الجمل، صفّين، النهروان.

تاريخ شهادته(عليه السلام) ومكانها

7 صفر 50ﻫ، وقيل: 28 صفر، المدينة المنوّرة.

سبب شهادته(عليه السلام)

قُتل(عليه السلام) مسموماً على يد زوجته جُعدة بنت الأشعث الكندي بأمر من معاوية بن أبي سفيان.

قال الشيخ المفيد(قدس سره) «وضمن لها أن يزوّجها بابنه يزيد، وأرسل إليها مائة ألف درهم، فسقته جعدة السم»(1)، ففعلت وسمّت الإمام الحسن(عليه السلام)، فسوّغها المال ولم يزوّجها من يزيد.

تشييعه(عليه السلام)

جاء موكب التشييع يحمل جثمان الإمام(عليه السلام) إلى المسجد النبوي ليدفنوه عند رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وليجدِّدوا العهد معه، على ما كان قد وصّى به الإمام الحسين(عليه السلام).

فجاء مروان بن الحكم وبنو أُميّة شاهرين سلاحهم، ومعهم عائشة بنت أبي بكر وهي على بغل، إلى الموكب الحافل بالمهاجرين والأنصار وبني هاشم وسائر المؤمنين في المدينة.

فقال مروان: يا رُبّ هيجاء هي خير من دعة! أيُدفن عثمان بالبقيع، ويُدفن حسن في بيت النبي! والله لا يكون ذلك أبداً وأنا أحمل السيف(2).

وقالت عائشة: والله، لا يدخل داري من أكره(3)، أو قالت: مالي ولكم؟ تريدون أن تدخلوا بيتي من لا أحب(4).

وبذلك قال الشاعر:

منعته عن حرم النبي ضلالة ** وهو ابنه فلأيّ أمر يُمنع

فكأنّه روح النبي وقد رأت ** بالبعد بينهما العلائق تقطع(5).

ولولا وصية الإمام الحسن(عليه السلام) لأخيه الإمام الحسين(عليه السلام) أَلّا يُراق في تشييعه ملء محجمةِ دمٍ، لَمَا ترك بنو هاشم لبني أُميّة في ذلك اليوم كياناً.

لذا ناداهم الإمام الحسين(عليه السلام) قائلاً: «الله الله لا تضيِّعوا وصية أخي، واعدلوا به إلى البقيع، فإنّه أقسم عليّ إن أنا مُنعت من دفنه مع جدِّه أن لا أُخاصم فيه أحداً، وأن أُدفنه في البقيع مع أُمِّه»(6).

هذا وقبل أن يعدلوا بالجثمان، كانت سهام بني أُميّة قد تواترت على جثمان الإمام(عليه السلام)، وأخذت سبعين سهماً مأخذها منه.

مكان دفنه(عليه السلام)

مقبرة البقيع، المدينة المنوّرة.

رثاء الإمام الحسين(عليه السلام) على قبره

أأدهن رأسي أم أطيب محاسني ** ورأسك معفور وأنت سليب

أو استمتع الدنيا لشيءٍ أُحبّه ** ألا كلّ ما أدنى إليك حبيب

فلا زلت أبكي ما تغنت حمامة ** عليك وما هبّت صبا وجنوب

وما هملت عيني من الدمع قطرة ** وما اخضرّ في دوح الحجاز قضيب

بكائي طويل والدموع غزيرة ** وأنت بعيد والمزار قريب

غريب وأطراف البيوت تحوطه ** ألا كلّ من تحت التراب غريب

ولا يفرح الباقي خلاف الذي مضى ** وكلّ فتى للموت فيه نصيب

فليس حريب من أُصيب بماله ** ولكن من وارى أخاه حريب

نسيبك من أمسى يناجيك طرفه ** وليس لمن تحت التراب نسيب(7).

ـــــــــــــــ

1ـ الإرشاد 2/15.

2ـ تاريخ دمشق 13/291.

3ـ دلائل الإمامة: 161.

4ـ الإرشاد 2/18.

5ـ الأنوار البهية: 92.

6ـ بحار الأنوار 44/141.

7ـ موسوعة كلمات الإمام الحسين: 282.

بقلم : محمد أمين نجف

 

 

شهادة الإمام عليّ زين العابدين(عليه السلام)(1)

اسمه ونسبه(عليه السلام)

الإمام عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب(عليهم السلام).

كنيته(عليه السلام)

أبو محمّد، أبو الحسن، أبو الحسين، أبو القاسم… .

ألقابه(عليه السلام)

زين العابدين، سيّد العابدين، السجّاد، ذو الثفنات، إمام المؤمنين، الزاهد، الأمين، المُتهَجّد، الزكي… وأشهرها زين العابدين.

تاريخ ولادته(عليه السلام) ومكانها

5 شعبان 38ﻫ، المدينة المنوّرة.

أُمّه(عليه السلام) وزوجته

أُمّه السيّدة شاه زنان بنت يَزدَجُرد بن شهريار بن كسرى، ويُقال إنّ اسمها: شهر بانو، وزوجته السيّدة فاطمة بنت الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام).

مدّة عمره(عليه السلام) وإمامته

عمره 57 سنة، وإمامته 35 سنة.

حكّام عصره(عليه السلام) في سِنِي إمامته

يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان بن الحكم، عبد الملك بن مروان، الوليد بن عبد الملك.

الإمام(عليه السلام) والوليد بن عبد الملك

تأزّم الوضع بعد موت عبد الملك بن مروان واستلام الوليد ابنه زمام الأُمور، حيث بقي الإمام زين العابدين(عليه السلام) مواصلاً لخطواته الإصلاحية بين صفوف الأُمّة الإسلامية، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر.

ممّا أقضّ مضاجع قادة الحكم الأُموي؛ بسبب عدم تمكُّنهم من الاستمرار في أهدافهم التحريفية للرسالة الإلهية.

وقد كان الوليد من أحقد الناس على الإمام(عليه السلام)، لأنّه كان يرى أنّه لا يتمّ له الملك والسلطان مع وجود الإمام(عليه السلام)، الذي كان يتمتّع بشعبية كبيرة، حتّى تحدّث الناس بإعجاب وإكبار عن علمه وفقهه وعبادته.

وعجّت الأندية بالتحدّث عن صبره وسائر ملكاته(عليه السلام)، واحتلّ مكاناً كبيراً في قلوب الناس وعواطفهم، فكان السعيد مَن يحظى برؤيته، ويتشرّف بمقابلته، والاستماع إلى حديثه.

وقد شقّ على الأُمويين عامّة هذا الموقع المتميّز للإمام(عليه السلام)، وأقضّ مضاجعهم.

ونقل ابن شهاب الزهري أنّ الوليد قال: «لا راحة لي وعليّ بن الحسين موجود في دار الدنيا»(2)، فأجمع رأيه على اغتيال الإمام(عليه السلام) والتخلّص منه.

تاريخ شهادته(عليه السلام) ومكانها

25 محرّم 94ﻫ، وقيل: 12 محرّم، المدينة المنوّرة.

سبب شهادته(عليه السلام)

أرسل الخليفة الأُموي الوليد بن عبد الملك سمّاً قاتلاً من الشام إلى عامله على المدينة، وأمره أن يدسّه للإمام(عليه السلام)، ونفّذ عامله ذلك.

فسمت روح الإمام(عليه السلام) العظيمة إلى خالقها، بعد أن أضاء آفاق هذه الدنيا بعلومه، وعباداته، وجهاده، وتجرّده من الهوى.

دفنه(عليه السلام)

تولّى الإمام محمّد الباقر(عليه السلام) تجهيز جثمان أبيه(عليه السلام)، وبعد تشييع حافل لم تشهد المدينة نظيراً له، جيء بجثمانه الطاهر إلى مقبرة البقيع في المدينة المنوّرة، فدُفن بجوار قبر عمّه الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام).

بكاء الإمام الباقر عليه(عليه السلام)

قال جابر الجعفي: «لمّا جرّد مولاي محمّدُ الباقر، مولاي عليّ بن الحسين ثيابه ووضعه على المغتسل، وكان قد ضرب دونه حجاباً سمعته ينشج ويبكي حتّى أطال ذلك، فأمهلته عن السؤال حتّى إذا فرغ من غسله ودفنه، فأتيت إليه وسلّمت عليه وقلت له: جُعلت فداك مِمَّ كان بكاؤك وأنت تغسل أباك ذلك حزناً عليه؟

قال: لا يا جابر، لكن لمّا جرّدت أبي ثيابه ووضعته على المغتسل رأيت آثار الجامعة في عنقه، وآثار جرح القيد في ساقيه وفخذيه، فأخذتني الرقّة لذلك وبكيت»(3).

قال الشيخ علي التاروتي:

مالي أراك ودمع عينك جامد ** أوَ ما سمعت بمحنة السجّاد

قلبوه عن نطع مسجّى فوقه ** فبكت له أملاك سبع شداد

ويصيح وا ذلّاه أين عشيرتي ** وسراة قومي أين أهل ودادي

منهم خلت تلك الديار وبعدهم ** نعب الغراب بفرقة وبعاد

أترى يعود لنا الزمان بقربكم ** هيهات ما للقرب من ميعاد

وقال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي(رحمه الله) بالمناسبة:

قرحت جفونك من قذى وسهاد ** إن لم تفض لمصيبة السجّاد

فأسل فؤادك من جفونك أدمعا ** وأقدح حشاك من الأسى بزناد

واندب إماماً طاهراً هو سيّد ** للساجدين وزينة العباد

ما أبقت البلوى ضنا من جسمه ** وهو العليل سوى خيال بادي

إلى أن قال:

أودى به فجنى وليد أُميّة ** وهو الخبث على وليد الهادي

حتّى قضى سمّاً وملأ فؤاده ** ألم تحز مداه كلّ فؤاد

ــــــــــــــــ

1. للمزيد اُنظر: أعيان الشيعة 1/629.

2. نظريات الخليفتين 2/156، عن تاريخ دمشق، ترجمة علي بن الحسين.

3. موسوعة شهادة المعصومين 3/60.

بقلم : محمد أمين نجف

 

شهادة الإمام الحسين(عليه السلام)

تاريخ شهادته(عليه السلام) ومكانها

10 محرّم 61ﻫ، كربلاء المقدّسة.

سبب شهادته(عليه السلام)

قُتل(عليه السلام) شهيداً في معركة كربلاء وهو يدافع عن دين جدّه محمّد(صلى الله عليه وآله).

ليلة العاشر

قضى الإمام الحسين(عليه السلام) وأصحابه(رضي الله عنهم) ليلة العاشر من المحرّم بالصلاة والدعاء، وقراءة القرآن، وكان لهم دويٌّ كدويّ النحل، كما كانوا يصلحون سيوفهم ورماحهم استعداداً للقاء القوم.

يوم العاشر

طلب الإمام الحسين(عليه السلام) في صباح اليوم العاشر ـ إتماماً للحُجّة على أعدائه ـ من جيش يزيد، أن ينصتوا إليه لكي يكلّمهم، إلّا أنّهم أبوا ذلك، وعلا ضجيجهم، وفي النهاية سكتوا، فخطب فيهم معاتباً لهم على دعوتهم له، وتخاذلهم عنه.

كما حدّثهم(عليه السلام) بما سيقع لهم بعد قتله على أيدي الظالمين، من ولاة بني أُمية، ممّا عهد إليه من جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله)، وأبيه أمير المؤمنين(عليه السلام)، وهو ما تحقّق فعلاً.

وخصّ في ذلك عمر بن سعد، الذي كان يزيد يمنّيه بجعله والياً على الرّي وجرجان، بأنّ حلمه ذاك لن يتحقّق، وأنّه سوف يُقتل، ويُرفع رأسه على الرمح.

خطبته(عليه السلام) يوم العاشر

عاد الإمام الحسين(عليه السلام) مرّة أُخرى على ظهر فرسه، ووقف أمام الجيش الأُموي، وخاطبهم قائلاً: «أمّا بَعد، فانسبونِي فانظُروا مَن أنَا؟ ثمّ ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هَلْ يحلُّ لَكُم قتلي وانتهاكُ حُرمتي؟

ألسْتُ ابن بنتِ نبيِّكم(صلى الله عليه وآله)، وابن وصيِّه وابن عمِّه، وأوّل المؤمنين بالله، والمصدِّق لِرسولِه بما جاء من عند رَبِّه؟ أوَ ليس حمزة سَيِّد الشهداء عَمّ أبي؟ أو ليسَ جَعفر الشهيد الطيّار ذو الجناحين عَمِّي؟ أوَ لَمْ يَبلُغْكُم قول مُستفيض فيكم: إنّ رسولَ الله(صلى الله عليه وآله) قال لي ولأخي: هَذان سَيِّدا شَبَاب أهل الجنّة؟…»(1).

فلم يستجب له أحد، ثمّ خاطبهم(عليه السلام) قائلاً: «أمَا تَرونَ سَيفَ رَسولِ الله(صلى الله عليه وآله) ولاَمَةَ حَربِه وعمَامتَه عليّ»؟ قالوا: نعم.

فقال(عليه السلام): «لِمَ تُقاتِلونِي»؟ أجابوا: طاعةً للأمير عبيد الله بن زياد.

هجوم الأعداء

استحوذ الشيطان على عمر بن سعد ـ قائد الجيش ـ فوضع سهمه في كبد قوسه، ثمّ رمى مخيّم الإمام الحسين(عليه السلام) وقال: «اِشهدُوا أنّي أوّل مَن رمى»، فتبِعَه جنده يُمطرون آل الرسول(صلى الله عليه وآله) بوابل من السهام.

فعظم الموقف على الإمام الحسين(عليه السلام)، ثمّ خاطب أصحابه قائلاً: «قُومُوا رَحِمكم الله إلى الموتِ الذي لا بدّ منه، فإنّ هذه السهام رُسل القوم إليكم»(2)، فلبّوا(رضي الله عنهم) النداء، وانطلقوا كالأُسود يحاربون العدوّ، فاستمرت رحى الحرب تدور في ميدان كربلاء.

وبدأ أصحاب الحسين(عليه السلام) يتساقطون الواحد تلو الآخر، وقد أرهقوا جيش العدوّ وأثخنوه بالجراح، فتصايَح رجال عمر بن سعد: لو استمرّت الحربُ بَيننا، لأتوا على آخرنا، لِنَهجم عليهم مَرّة واحدة، ولِنرشُفهُم بالنِبال والحجارة.

واستمرّ الهجوم والزحف نحو من بقي مع الإمام الحسين(عليه السلام)، وأحاطوا بهم من جهات متعدّدة، فتعالت أصوات ابن سعد ونداءاته إلى جيشه، وقد دخل المعسكر يقتل وينهب، ويقول: «اِحرقوا الخيام».

فضجّت النساء، وتصارخ الأطفال، وعلا الضجيج، وراحت ألسِنة النار تلتهم المخيّم، وسكّانه يفرُّون فزعين مرعوبين، فلم يهدأ سعير المعركة، وراح مَن بقي من أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) وأهل بيته يستشهدون الواحد تلو الآخر.

فاستُشهد ولده عليّ الأكبر وإخوته، وأبناء أخيه وابن أُخته، وآل عقيل وآل عليّ(عليه السلام)، مجزّرين كالأضاحي، وهم يتناثرون في أرض المعركة.

وكذا بدأ شلّال الدم ينحدر على أرض كربلاء، وصيحات العطش والرعب تتعالى من حناجر النساء والأطفال.

فركب الإمام الحسين(عليه السلام) جواده، يتقدّمه أخوه العباس(عليه السلام)، وتوجّه نحو نهر الفرات؛ ليحمل الماء إلى العيال، فحالت حشود العدوّ دونه، فأصبح هو في جانب وأخيه في جانب آخر.

وكانت للبطل الشجاع أبي الفضل العباس(عليه السلام) صولة ومعركة حامية، طارت فيها رؤوس، وتساقطت فرسان، وهو يصول ويجول في ميدان الجهاد بعيداً عن أخيه، حتّى خرّ صريعاً سابحاً بدم الشهادة.

وتعلّق قلب الإمام الحسين(عليه السلام) بمخيّمه، وما خلّفت النار والسيوف بأهله وحرمه.

فراح(عليه السلام) ينادي، وقد طوّقته قوّات الأعداء وحالت بينه وبينهم، فصاح بهم: «أنَا الّذي أقاتِلُكم وتقاتلوني، والنِساء لَيسَ عَليهنّ جُناح، فامْنَعوا عُتاتكم وجهّالكم وطغاتكم من التعرُّض لحَرَمي ما دُمتُ حَيّاً»(3).

إلّا أنّهم استمرّوا في هجومهم على المخيّم، ولم يعبئوا لكلامه(عليه السلام).

فاستمرّ الهجوم عنيفاً، والإمام(عليه السلام) منهمك في قتال أعدائه، إلى أن سدّد له أحد الأجلاف سهماً واستقرّ في نحره الشريف، ثمّ راحت السيوف والرماح تنزل عليه كالمطر الغزير.

فلم يستطع(عليه السلام) مقاومة الألم والنزف، فوقع على الأرض، ولم يكفُّوا عنه؛ لأنّ روح الحقد والوحشية التي امتلأت بها جوانحهم لم تسمح بذلك.

بل راح الملعون شمر بن ذي الجوشن، يحمل سيفه ليقطع غصناً من شجرة النبوّة، وليثكل الزهراء(عليها السلام) بعزيزها، ففصل الرأس الشريف عن الجسد، ليحمله هدية للطاغية يزيد.

ذلك الرأس الذي طالما سجد لله، وحمل اللّسان الذي ما فتئ يردّد ذكر الله، وينادي(عليه السلام): «لا أعطِيكُم بِيَدي إِعطَاء الذليل، ولا أقرُّ إِقرَار العبيد»(4)، الرأس الذي حمل العزّ والإباء، ورفض أن ينحني للعتاة أو يطأطئ جبهته للظالمين.

ثمّ حلّ السكون على أرض كربلاء الطاهرة، فأتت العقيلة زينب الكبرى(عليها السلام) إلى الميدان حتّى وقفت على جسد أخيها الحسين(عليه السلام)، ثمّ قالت: «اللّهمّ تقبّل منّا هذا القربان».

جزاء قاتلي الإمام الحسين(عليه السلام)

حُكي عن السدّي قال: أضافني رجل في ليلة كنت أحبُّ الجليس، فرحّبت به وأكرمته، وجلسنا نتسامر، وإذا به ينطلق بالكلام كالسيل إذا قصد الحضيض.

فطرقت له فانتهى في سمره إلى طفّ كربلاء، وكان قريب العهد من قتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فتأوّهت وتزفّرت، فقال: ما لك؟ قال السدّي: ذكرت مصاباً يهون عنده كلّ مصاب.

قال الرجل: أما كنت حاضراً يوم الطفّ؟ قال السدّي: لا والحمد لله.

قال الرجل: أراك تحمد، على أيّ شيء؟! قال السدّي: على الخلاص من دم الحسين(عليه السلام)؛ لأنّ جدّه(صلى الله عليه وآله) قال: «إنّ مَن طُولِبَ بدم ولدي الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان».

قال الرجل: هكذا قال جدّه(صلى الله عليه وآله)؟ قال السدّي: نعم، وقال(صلى الله عليه وآله): «ولدي الحسين يُقتل ظلماً وعدواناً، أَلا ومَن قتله يدخل في تابوت من نار، ويُعذّب بعذاب نصفِ أهل النار، هو ومَن شايع وبايع أو رضي بذلك، كُلّما نضجت جلودهم بُدِّلوا بجلود غيرها؛ ليذوقوا العذاب، فالويل لهم من عذاب جهنّم».

قال الرجل: لا تصدّق هذا الكلام يا أخي؟ قال السدّي: كيف هذا وقد قال(صلى الله عليه وآله): «لا كَذِبتُ وَلا كُذِّبتُ».

قال الرجل: ترى قالوا: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «قاتل ولدي الحسين لا يطول عمره، وها أنا وحقّك قد تجاوزت التسعين مع أنّك ما تعرفني»، قال السدّي: لا والله.

قال الرجل: أنا الأخنس بن زيد، قال السدّي: وما صنعت يوم الطف؟

قال الأخنس: أنا الذي أُمّرت على الخيل الذين أمرهم عمر بن سعد بوطئ جسم الحسين بسنابك الخيل، وهشمت أضلاعه، وجررت نطعاً من تحت عليّ بن الحسين وهو عليل حتّى كببته على وجهه، وخرمت اُذني صفية بنت الحسين، لقرطين كانا في أُذنيها.

قال السدّي: فبكى قلبي هجوعاً وعيناي دموعاً، وخرجت أُعالج على إهلاكه، وإذا بالسراج قد ضعفت، فقمت أزهرها.

فقال: اجلس، وهو يحكي متعجّباً من نفسه وسلامته، ومدّ إصبعه ليزهرها فاشتعلت به، ففركها في التراب فلم تنطفِ، فصاح بي: أدركني يا أخي، فكببت الشربة عليها وأنا غير محبٍّ لذلك، فلمّا شمّت النار رائحة الماء ازدادت قوّة، وصاح بي: ما هذه النار وما يطفئها؟!!

قلت: ألقِ نفسك في النهر، فرمى بنفسه، فكلّما ركس جسمه في الماء اشتعلت في جميع بدنه كالخشبة البالية في الريح البارح، هذا وأنا أنظره، فوالله الذي لا إله إلّا هو، لم تُطفأ حتّى صار فحماً، وسار على وجه الماء!!(5).

وروي عن عبد الله بن رباح القاضي أنّه قال: لقيت رجلاً مكفوفاً قد شهد قتل الإمام الحسين(عليه السلام)، فسُئل عن بصره، فقال: كنت شهدت قتله عاشر عشرة، غير أنّي لم أطعن برمح ولم أضرب بسيف ولم أرمِ بسهم.

فلمّا قُتل(عليه السلام) رجعت إلى منزلي وصلّيت العشاء الآخرة ونمتُ، فأتاني آتٍ في منامي فقال: أجب رسول الله!! فقلت: ما لي وله؟

فأخذ بتلابيبي وجرّني إليه، فإذا النبيّ(صلى الله عليه وآله) جالس في صحراء، حاسر عن ذارعيه، آخذ بحربة، وملك قائم بين يديه، وفي يده سيف من نار يقتل أصحابي التسعة، فكلّما ضرب ضربة التهبت أنفسهم ناراً!! فدنوت منه وجثوت بين يديه، وقلت: السلام عليك يا رسول الله، فلم يردّ(صلى الله عليه وآله) عليّ.

ومكث طويلاً، ثمّ رفع رأسه وقال(صلى الله عليه وآله): «يا عدوّ الله، انتهكت حرمتي، وقتلت عترتي، ولم ترعَ حقِّي، وفعلت وفعلت».

فقلت: يا رسول الله، ما ضربت بسيف، ولا طعنت برمح، ولا رميت بسهم، فقال(صلى الله عليه وآله): «صدقتَ، ولكنّك كثّرت السواد، أُدنُ مِنِّي»، فدنوت منه، فإذا بطشت مملوء دماً.

فقال(صلى الله عليه وآله) لي: «هذا دم ولدي الحسين»، فكحّلني من ذلك الدم، فاحترقت عيناي، فانتبهت لا أبصر شيئاً(6).

ورئي رجل بلا يدين ولا رجلين، وهو أعمى يقول: ربّي نجّتي من النار، فقيل له: لم يبقَ عليك عقوبة، وأنت تسأل النجاة من النار؟!

قال: إنّي كنت فيمن قاتل الحسين(عليه السلام) في كربلاء، فلمّا رأيت عليه سراويل وتكّة حسنة، فأردت أن انتزع التكّة، فرفع يده اليمنى ووضعها على التكّة، فلم أقدر على رفعها، فقطعت يمينه(عليه السلام).

ثمّ أردت أنتزاع التكّة فرفع شماله ووضعها على التكّة، فلم أقدر رفعها فقطعت شماله(عليه السلام)، ثمّ هممت بنزع السراويل، فسمعت زلزلة فخفت وتركته، فألقى الله عليّ النوم فنمت بين القتلى.

فرأيت كأنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) أقبل، ومعه عليّ وفاطمة والحسن(عليهم السلام)، فأخذوا رأس الحسين(عليه السلام) فقبّلته فاطمة(عليها السلام) وقالت: «يا بني قتلوك!! قتلهم الله».

وكأنّه(عليه السلام) يقول: «ذَبَحَنِي شمرٌ، وقطع يدي هذا النائم»، وأشار إليّ، فقالت لي فاطمة(عليها السلام): «قَطعَ الله يديكَ ورجليكَ، وأعمى بصرك، وأدخلك النار».

فانتبهت وأنا لا أبصر شيئاً، ثمّ سقطت يداي ورجلاي، فلم يبقَ من دعائها إلّا النار(7).

ــــــــــــــــــــــ

1ـ مقتل الحسين: 117.

2ـ أعيان الشيعة 1/603.

3ـ المصدر السابق 1/609.

4ـ مقتل الحسين: 118.

5ـ مدينة المعاجز 4/95.

6ـ المصدر السابق 4/101.

7ـ بحار الأنوار 45/311.

بقلم : محمد أمين نجف

 

علي الأكبر بن الإمام الحسين(عليهما السلام)(1)

اسمه وكنيته ونسبه(عليه السلام)

السيّد أبو الحسن، علي الأكبر ابن الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب(عليهم السلام).

تاريخ ولادته(عليه السلام)

11 شعبان 35ﻫ، أو 41ﻫ.

أُمّه(عليه السلام)

السيّدة ليلى بنت أبي مُرّة بن عروة بن مسعود الثقفي، وأُمّها ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أُمية.

صفاته(عليه السلام)

كان(عليه السلام) من أصبح الناس وجهاً، وأحسنهم خُلُقاً، وكان يشبه جدّه رسول الله(عليهما السلام) في المنطق والخَلق والخُلق.

قال الإمام الحسين(عليه السلام) حينما برز علي الأكبر يوم الطف: «اللّهُمّ اشهد، فقد برز إليهم غُلامٌ أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومَنطِقاً برسولك»(2).

قال الشاعر فيه:

لم تَرَ عَينٌ نَظَرتْ مِثله ** من محتف يَمشـي ومن نَاعِلِ

يغلي نئي اللحم حتّى إذا ** انضج لم يغلِ على الآكل

كانَ إذا شبّت لَهُ نارُه ** وقّدَها بالشرفِ الكَامِلِ

كَيْما يراهَا بائسٌ مرملٌ ** أو فرد حيٍّ ليسَ بالأهلِ

أعني ابن ليلى ذا السدى والندى ** أعني ابن بنت الحسين الفاضل

لا يؤثِرُ الدنيا على دينِه ** ولا يبيعُ الحَقّ بِالباطلِ(3).

وقال الشيخ عبد الحسين العاملي(قدس سره):

جمع الصفات الغر فهي تراثه ** عن كل غطريف وشهم أصيد

في بأس حمزة في شجاعة حيدر ** بإبى الحسين وفي مهابة أحمد

وتراه في خلق وطيب خلائق ** وبليغ نطق كالنبي محمّد(4).

شجاعته(عليه السلام)

لمّا ارتحل الإمام الحسين(عليه السلام) من قصر بني مقاتل، خفق وهو على ظهر فرسه خفقة، ثمّ انتبه(عليه السلام) وهو يقول: «إنّا للهِ وإنّا إليهِ راجِعُون، والحمدُ للهِ رَبِّ العَالَمين»، كرّرها مرّتين أو ثلاثاً.

فقال علي الأكبر(عليه السلام): «ممّ حمدتَ الله واسترجَعت»؟.

فأجابه(عليه السلام): «يا بُنَي، إنِّي خفقتُ خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنّها أنفسنا نُعِيت إلينا».

فقال علي الأكبر(عليه السلام): «يا أبَة، لا أراك الله سوءاً، ألَسنا على الحق»؟ فقال(عليه السلام): «بلى، والذي إليه مَرجِع العباد».

فقال علي الأكبر(عليه السلام): «فإنّنا إذَن لا نُبالي أن نموت مُحقِّين»، فأجابه الإمام الحسين(عليه السلام): «جَزَاك اللهُ مِن وَلدٍ خَير مَا جَزَى وَلَداً عن والِدِه»(5).

موقفه(عليه السلام) يوم العاشر

روي أنّه لم يبقَ مع الإمام الحسين(عليه السلام) يوم عاشوراء إلاّ أهل بيته وخاصّته.

فتقدّم علي الأكبر(عليه السلام)، وكان على فرس له يُدعى الجناح، فاستأذن أباه(عليه السلام) في القتال فأذن له، ثمّ نظر إليه نظرة آيِسٍ منه، وأرخى عينيه، فبكى ثمّ قال: «اللّهُمّ كُنْ أنتَ الشهيد عَليهم، فَقد بَرَز إليهم غُلامٌ أشبهُ النّاس خَلقاً وخُلقاً ومَنطِقاً برسولك».

فشَدّ علي الأكبر(عليه السلام) عليهم وهو يقول:

أنَا عَليّ بن الحسين بن علي ** نحن وبيت الله أولَى بِالنّبي

تالله لا يَحكُمُ فينا ابنُ الدّعي ** أضرِبُ بالسّيفِ أحامِي عَن أبي

ضَربَ غُلامٍ هَاشِميٍّ عَلوي

ثمّ يرجع إلى أبيه فيقول: «يا أباه العطش»!!.

فيقول له الحسين(عليه السلام): «اِصبِرْ حَبيبي، فإنّك لا تُمسِي حتّى يَسقيك رسولُ الله(عليهما السلام) بكأسه».

ففعل ذلك مراراً، فرآه منقذ العبدي وهو يشدُّ على الناس، فاعترضه وطعنه فصُرِع، واحتواه القوم فقطّعوهُ بسيوفهم.

فجاء الحسين(عليه السلام) حتّى وقف عليه، وقال: «قَتَلَ اللهُ قوماً قتلوك يا بُنَي، ما أجرأهُم على الرحمان، وعلى انتهاك حرمة الرسول».

وانهملت عيناه بالدموع، ثمّ قال(عليه السلام): «عَلى الدُّنيا بَعدَك العفا».

وقال لفتيانه: «احملُوا أخَاكُم»، فحملوه من مصرعه ذلك، ثمّ جاء به حتّى وضعه بين يدي فسطَاطه(6).

تاريخ شهادته(عليه السلام) ومكان دفنه

10 محرّم 61ﻫ، كربلاء المقدّسة، ودفن مع الشهداء ممّا يلي رجلي أبيه الحسين(عليه السلام).

مدّة عمره(عليه السلام)

19 سنة على رواية الشيخ المفيد، و 25 سنة على رواية غيره، ويترجّح القول الثاني لما روي أنّ عمر الإمام زين العابدين(عليه السلام) يوم الطف كان 23 سنة، وعلي الأكبر أكبر سنّاً منه.

ـــــــــــــــــــــــ

1ـ اُنظر: معجم رجال الحديث 12/387، أعيان الشيعة 8/206.

2ـ اللهوف في قتلى الطفوف: 67.

3ـ مقاتل الطالبين: 53.

4ـ شهداء أهل البيت (عليهم السلام) ـ قمر بني هاشم: 121.

5ـ مقتل أبي مخنف: 92.

6ـ مقاتل الطالبيين: 76.

بقلم : محمد أمين نجف